Archive | September 2006

اسلاميات

 

558image. انا شيد196image.470image.

كان الإنسان في الماضي يشاهد عالماً كبيراً في الفضاء ، مكوناً من الشمس ، و القمر ، و النجوم ، و لكنه يشاهد سارية أو عمود تقوم عليها تلك الكواكب ( اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا )  سورة الرعد  .
إلا أن الإنسان في العصر الحاضر يشاهد في الآية الماضية تفسيراً لمشاهداته التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمدفي الفضاء اللانهائي ، و هي التي تساعد كل هذه الأجرام على البقاء  في أماكنها المحددة لها ، فلا تسقط على الأرض ، و لا يصطدم بعضها ببعضها الآخر . و بهذا يظهر لنا سر التعبير القرآني
( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) مما يشير إلى وجود عمد غير مرئية و هي ما يتم بفعل الجاذبية و قانونها . إن الكلام لو لم تذكر فيه كلمة ( ترونها ) لتام و كامل و مفهوم ، و لكنها وضعت – و الله أعلم – لهذا الغرض ، لتلفت نظر الإنسان إلى وجود شيء غير مرئي سيدركه الإنسان يوماً ما بعقله و إن لم يره بعينه ، ألا و هو قانون الجاذبية . و هناك ما يسمى بالجاذبية الأرضية و سيتم إثباته بإذن الله تعالى في وقت لاحق . 

  language=JavaScript type=text/javascript> <!– Begin
if (window.print) {
document.write(' ‘
+ ”);
}
// End
// –>

_____________________________________________________________

تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة ، حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيذ منامهم من أجل تهجدهم به في الأسحار ، ومناجاتهم العزيز الغفار . وما كان هذا حالاً نادرا فيهم ،

بل ورد أن المار على بيوت الصحابة بالليل كان يسمع لها دويا كدوي النحل بالقرآن . وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن . وكانت المرأة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يعلمها إياها زوجها من القرآن .      عملهم به وتنفيذهم لتعاليمه ، في كل شأن من شؤونهم تاركين كل ما كانوا عليه مما يخالف تعاليمه ويجافي هداياته ، طيبة بذلك نفوسهم ، طيعة أجسامهم ، سخية أيديهم وأرواحهم ، حتى صهرهم القرآن في بوتقته وأخرجهم للعالم خلقا آخر مستقيم العقيدة قويم العباة طاهر العادة كريم الخلق نبيل المطمح .      استبسالهم في نشر القرآن والدفاع عنه وعن هدايته فأخلصوا له وصدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه وهو مدافع عنه ، ومنهم من انتظر حتى أتاه الله اليقين وهو مجاهد في سبيله مُضحٍ بنفسه ونفيسه . ولقد بلغ الأمر إلى حد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرد من يتطوع بالجندية من الشباب لحداثة أسنانهم وكان كثيرا من ذوي الأعذار يؤلمهم التخلف عن الغزو .      ذلك النجاح الباهر الذي أحرزه القرآن الكريم في هداية العالم في زمن قصير جدا . أهم اكتشاف في سنة 1929 كان وقعه كالقنبلة عندما نشر في الأوساط العلمية , حتى اللحظة كان الاعتقاد السائد أن المجرات تسير في حركة عشوائية تشابه حركة جزئيات الغازات بعضها في تقارب والبعض الآخر في تباعد ولكن هذا الاكتشاف قلب ذلك الاعتقاد رأسا على عقب , لقد اكتشف هابل أن كل هذه الملايين المؤلفة من المجرات في ابتعاد مستمر عن بعضها بسرعات هائلة قد تصل في بعض الأحيان إلى كسور من سرعة الضوء وكذلك بالنسبة لنا فكل المجرات التى نراها حولنا – ما عدا الأندروميدا وبعض المجرات الأخرى القريبة – في ابتعاد مستمر عنا .

المظهر الثاني :

المظهر الثالث :

المظهر الرابع :

ولنا الآن أن نتساءل عن معنى هذا الاكتشاف . إذا كانت وحدات الكون كلها في ابتعاد مستمر عن بعضها فإن ذلك لا يعنى إلا شيئا واحدا وهو أن الكون في تمدد حجمي أو اتساع مستمر قال تعالى : ( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) الضوء كما نعلم مركب من سبع ألوان وكل لون منهم له موجة ذات طول وذبذبة معينة وأقصر موجة أعلى ذبذبة هي موجة اللون الأزرق وأطولها أوطاها ذبذبة هي موجة اللون الأحمر وعندما حلل هابل الضوء الصادر من المجرات التي درسها وجد أنه في جميع الحالات – ماعدا في حالة الأندروميدا وبعض المجرات الأخرى القريبة يحدث إنزياح تجاه اللون الأحمر وكلما زاد مقدار الإنزياح الأحمر زادت بُعدا المجرات عنا وبعد اكتشاف هذا الأمر ظهرت دلائل كميات كبيرة من الفجوات المظلمة وخلف هذه الفجوات جاذب هائل يؤدي بنا إلى الانزياح الأحمر يتمدد الكون ويتسع من نقطة البداية إلى الإشعاع الأحمر .. قد تبدو الآن معاني الآية الكريمة قريبة إلى أذهاننا بعد توصل العلم الى حقيقة أن الكون له بداية يتسع منها ويتمدد ( وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) يقول سبحانه إنا بنينا السماوات وإنا لموسعون قول لا يحتمل التأويل , وهذا ما يحدث للكون الآن بل ومنذ بلايين السنين إتساع وتمدد مستمر السماوات تتسع والكون يتمدد وكما لاحظنا أن هذه الحقيقة ليست قائمة على نظرية أو إفتراض أو نموذج فحسب ولكن المشاهدات قد أثبتت هذه النظرية وإتفاق التجارب التي قام بها الكثير من الفلكيون في أزمان وأماكن مختلفة قد جعلت من هذه النظرية حقيقة علمية , إذ لم يظهر حتى الآن ما قد يعارضها أو ينال من صحتها فأصبحت حقيقة اتساع الكون كحقيقة دوران الأرض حول الشمس أو كروية الأرض

 

من تاريخ موريتانيا

تاريخ الإسلام في موريتانيا


1-دخول الإسلام إلى شنقيط (موريتانيا):
كان ما يعرف اليوم ببلاد موريتانيا ( شنقيط) جزءا مغمورا من الدولة الإسلامية منذ العهد الأموي ، ولم يعتن به المؤرخون كثيرا رغم أهميته ، ولعل السبب هو البعد وضعف عناية أهل البلد بالكتابة عن أنفسهم،وهي سمة عامة في أهل المغرب شكى منها الثعالبي صاحب كتاب الفكر السامي –رحمه الله- ولا سيما أهل بلاد السيبة أو المنكب مع أن الإسلام وصل إلى تلك البلاد في أواخر القرن الأول الهجري على الأظهر، ويحدد بعضهم ذلك ا لتاريخ بسنة 63هـ، وقيل كان في بداية القرن الثاني على رأي من يحدده بسنة 112هـ، ومهما يكن من أمر فإن ابن خلدون يقول : في كتابه العبر متحدثا عن القائد المسلم المظفر عقبة بن نافع وفتحاته -رضي الله عنه-: ودخل المغرب الأقصى وأثخن في المصادمة ودوخ بلادهم حتى حملهم على الإسلام ثم جاز إلى السوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام فأثخن فيهم وقاتل مسوفة وراء السوس وقفل راجعــــا ( 6/608)، والسوس مكان معروف يقع وراء : (تارودانت) ويصب في الأطلس من بلاد موريتانيا حاليا.
وعقبة –رحمه الله -هو الذي وقف على شاطئ المحيط الأطلسي وأدخل جواده حتى بلغ الماء نحره ثم قال : اللهم إني أشهدك أن لا مجاز ولو وجدت مجازا لأجزت(تاريخ المغرب والأندلس لمحمد المختار العبادي ص35)، وظل أهل تلك البلاد من ذلك التاريخ مسلمين ، وإن مرت بهم فترات يحملون فيها الإسلام بضعف ، وكانت أول دولة إ سلامية قامت على جزء من هذه الأرض هي دولة (غانا-في القرن الرابع الهجري) التي كانت عاصمتها (كومبي صالح)في شرق موريتانيا خاليا،وكان للمسلمين العرب صلة بها ، يقول محمود شاكر : ويبدو أن أحد الأشراف قد وصل إلى إمبراطورية غانا ، وأسس مدينة كومي صالح التي أصبحت عاصمة تلك الإمبراطورية …. وكانت قد توسعت هذه الإمبراطورية حتى شملت أراضي موريتانيا اليوم (التاريخ الإسلام لأحمد شاكر (14/459)، ثم دولة مالي التي قامت سنة 638والتي شملت الأجزاء الشرقية من موريتانيا الحالية.
(وفي عام 427هـ خرج يحي بن إبراهيم الكدالي حاجا في طائفة من قومه وفي طريق عودته مر على القيروان – وهو معقل معروف من معاقل العلم والتقى والمعرفة-فالتقى بشيخ المالكية بها عمران الفاسي وبعد مناقشة بينهما تبين للفقيه أن الأمير فيه خير كثير ومحبة للعلم ؛ فقال له الشيخ : ما يمنعكم من تعلم الشرع على وجهه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟فقال له : لا يصل إلينا إلا معلمون لا ورع لهم ولا علم بالسنة عندهم (البكري ص 165)وطلب يحي من الفقيه أن يرسل معه مستشارا ومعلما من خيرة تلاميذته فكلف الفقيه بذلك وجاج بن زلوم اللمطي الذي وقع اختياره على عبد الله بن ياسين الجزولي وكان رجلا ورعا حازما مشاركا في جميع العلوم عالما بالسياسة (ابن أبي زرع ص123).
2-قيام الدولة الإسلامية:
وبعودة يحي ومعه هذا العالم الجليل والداعية الكبير عبد الله دخلت هذه البلاد بداية جديدة كان لها ما بعدها ، بدأت بالتعليم والدعوة فوجد الرجلان نفرة وعدم استجابة من الناس فاتخاذا معسكرا أطلق عليه اسم ( الرباط) لما حصل فيه من مرابطة على العبادة والتدريــب ، وكان في جزيرة على البحر بين نواكشوط وانواذيبو في مكان معروف اليوم باسم: (تيدرة)ووضعا نظاما تدريبا قويا،وظل أنصارهم يتزايدون ، وبعد عشر سنوات تكونت لديهما جماعة قوية في دينها وعلمها وطار صيتها فعم الأرجاء وكثر أتباعها والمعجبون بها ، عند ذلك أعلنوا الجهاد، وفتحوا المدن وأخضعوا القبائل ،وأقاموا العدل بين الناس وفرضوا إخراج الزكاة، وظل نفوذهم يمتد ويتسع ؛ ففتحوا درعة وسجلماسة ، واودغست، وفي أثناء فتح هذه المدينة استشهد يحي بن إبراهيم ، فعينوا بعده يحي بن عمر اللمتوني،ثم استشهد عبد الله بن ياسين في المعركة التي دارت بينهم وبين قبيلة (برغوطة) ثم بنوا مراكش فجعلوها عاصمة لهم ، ووجهوا قوتهم إلى الشمال بعد ما ضعف نفوذهم في الجنوب حتى وصلوا إلى الأندلس مما جعلهم يؤخـرون -بإذن الله – سقوط الأندلس قرابة أربعة قرون من الزمن ، وكان لهذه الدولة الإسلامية صلات قوية بالدول والمماليك الإفريقية ، يقول الدكتور أحمد شلبي : إن هذه البلاد كانت المركز الذي تربت فيه حركة المرابطين واندفعت منه تنشر الإسلام في نواحي كثيرة وتحمي الإسلام بالأندلس من زحف الفرنجة…ويقول : وعندما جاء الإسلام إلى هذه المنطقة قدر لها أن تلعب دورا كبيرا في تاريخ الإسلام ، وأن تصبح مركزا وهاجا ينشر هذا الدين ويذود عنه في الشمال والجنوب ، ومن أجل هذا ينبغي أن نفسح المجال لدراسة تاريخ الإسلام في هذه المنطقة المهمة..(موسوعة التاريخ الإسلامي ص،503502)، وفي ص 506يقول إن عبد الله بن ياسين لما أنهى استعداده خطب في جيشه قائلا: إنكم لن تغلبوا عن قلة ، وقد تعين علينا القيام بالحق والدعاء إليه …) ثم خرج المرابطون بقيادة يحي بن عمر ، ولما توفي يحي خلفه أخوه أبو بكر وابن عمه يوسف بن تاشفين ، وبدأ بهما ملك المرابطين الذي اتجه نحو الجنوب حتى بلاد السنغال ، كما اتجه نحو الشمال حتى ضم اسبانيا.
وهكذا تتضح لنا أهمية موريتانيا في التاريخ الإسلامي والقوى العظيمة التي نشأت بها ودفعت الإسلام إلى الجنوب مساحات واسعة ، كما حمت الإسلام فترة طويلة عندما تعرض لضغط الفرنجة في أسبانيا ، ولم يكن المرابطون وحدهم هم الذين نشؤا في منطقة (موريتانيا) وما حولها وإنما نشأ بها الموحدون وبنوا مرين مما يوضح لنا أن لهذ
ه البلاد في التاريخ الإسلامي دورا حافلا  .
ثم أصبحت هذه الصحراء البعيدة عن دار الخلافة في بغداد، وعن جزيرة العرب تمثل موئلا للقبائل العربية التي تعودت على القوة والسطو فاتجه إليها قبائل المعقل ( بني سليم وبني هلال ) المهاجرة أو المبعدة لأسباب سياسية على يد الفاطميين من أجل الثأر من المعز بن باديس ثم طردهم السلطان المريني ، وكان ذلك خلال القرنين(11،12)
الميلاديين(قصة وتاريخ الحضارات العربية ص162) مما مكن لهذه القبائل أن تجد ساحات جديدة للعيش في أرض لا تكاد تختلف كثيرا عن مواطنها الأصلية في جزيرة العرب والحجاز خاصة (ابن خلدون6/،27، وقصة تاريخ الحضارات ..بين الأمس واليوم ص162)،وقد انتشرت هذه القبائل داخل بلاد موريتانيا من تشيت وودان إلى ولاتة جنوبا (انظر : الزوايا في بلاد شنقيط في مواجهة الاستعمار الفرنسي ليزيد به ولد محمد محمود ص 103) ، وأهم ما لهذه القبائل من فضل أنها نشرت لغة القرآن في هذه البلاد، ولكنها دخلت في صراعات طويلة حتى تغلبت على القبائل الأخرى وفرضت نفوذها ، وبذلك ضعف الإسلام ، وظهرت إمارات مستقلة كإمارة الترارزة ، والبراكنة ، وتكانت، وأولاد أمبارك،.ومشظوف..إمارة أدوعيش، وهل يحي بن عثمان….ويمكن أن يعتبر تاريخ الإمارات من القرن التاسع إلى الحادي عشر (التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ص 461)،.ومع ذلك لم تخل البلاد عبر تاريخها الطويل من ظهور علماء ومصلحين ودعاة مجددين إما على مستوى جهة أو قبيلة أو إمارة يقع تحت نفوذها مناطق مجاورة ، هنا وهناك ويلتف حول ذلك الشيخ أو الأمير جماعة تناصره ، أمثال الإمام ناصر الدين ،والشيخ عمر فوته، والشيخ المامي ، والشيخ سيديا ، والشيخ، سيد المختار الكنتي ،و الشيخ ماء العينين ، ولم تخل فترة زمنية من ظهور عالم أو داعية أو مصلح اجتماعي وإن لم تقم في هذه البلاد على عرضها المعروف اليوم دولة إسلامية تحكم جميع أطرافها بعد دولة غانا،ودولة المرابطين ، حتى دخل المستعمر  الفرنسي ، فدخل وهي بلاد تنتشر فيها قبائل وإمارات يشيع بينها -في بعض الأحيان – الخصام والنزاع والفتن ، مما سوغ لبعض الناس التعاون مع العدو الخارجي في مرحلة لاحقة أملا في إنهاء ذلك ، وربما طمعا لدى بعضهـم في عرض من الدنيا!يقول الدكتور شلبي : وبعد هذا التاريخ الناصع انحلت البلاد ، وتقطعت أوصالها ، وقام بها حكم قبلي مهد الطريق للاستعمار الأوربي (الموسوعة ص507) واشتهرت في أفريقيا والشمال الأفريقي بتجارها الذين يحملون العلم والدعوة ويقضون حوائج الناس بالتعليم والفتوى وبتوفير البضائع من الذهب إلى الملح في حركة إيجابية فريدة أزعجت المنصرين وكتبوا عنها كثيرا
3-دخول النصارى المستعمرين إلى بلاد شنقيط:
كانت بداية دخول الأعداء الصليبين الغربيين إلى بلاد شنقيط (موريتانيا) الجولة الاستطلاعية التي قام بها (جاليان) العامل لهنري الملاح عام 1434م الموافق 837هـ ، ثم تمركز البرتغاليون سنة 852هـ الموافق 1448م، في منطقة تعرف باسم (أغادير دومة ) على شاطئ المحيط الأطلسي، ثم أرسلوا بعض أفرادهم إلى (أدرار)،وتنافست على هذه البلاد كل من إبريطانيا وهولندا واسبانيا ، ثم أقام الفرنسيون مركزا آخر على نهر السنغال وظل هذا التسابق والتنافس بين البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين يتزايد على أساس التنافس التجاري حتى سنة 1815م فتحول إلى تدخل مباشر في حياة السكان وفرض الهيمنة عليهم بعد معاهدة (باريس في هذه السنة 1815هـ حيث جعلت تلك المعاهدة لفرنسا امتلاك الأراضي التي تتم فيها المبادلات التجارية ، وكان الأوروبيون يدفعون لأمراء القبائل نسبة على تلك البضائع تصل إلى حوالي 3%100، ولذلك كان بعضهم –جهلا منهم- يعتبرونها غرما كما تفعل القبائل الخاضعة لهم ، لكن من سنة 1850م إلى سنة 1900م ( وهي الفترة التي يسمها بعضهم بفترة حرية التجارة وبداية التدخل الفرنسي) تغير الأمر فلم يقبل الفرنسيون أن يدفعوا تلك النسبة التي كانوا يدفعونها بناء على اتفاقات مسبقة بموجبها يسمح لهم بالشراء والبيع ، ويحمون من النهب والاعتداء ، ثم في المقابل قام الأمراء بسياسة النهب وفي سنة 1864تم إلغاء آخر اتفاق بين الفرنسيين وإمارات البيظان ، استجابة للخطة التي اقترحهـــا: (كافيركبولاني )وهو مستشرق تربى في الجزائر وأتقن الحسانية والعربية والعلوم الإسلامية ، وهو الذي توصل في دارسة كتبها عن البلاد عامة وعن التصوف والصوفية خاصة وتوصل فيها إلى نتائج من أهمها أن فرنسا يمكن أن تبسط نفوذها وتخضع القبائل عن طريق سياسة الاحتواء السلمي دون أن تطلق رصاصة واحدة ، إذا ما طبقت خطته من خلال :الاتصال بمشايخ الصوفية الذين يسميهم : ( أصحاب السلم والآداب والتجارة والتأثير المعنوي)من خلال إقناعهم وإغرائهم معا وكتب تقريرا سريا مفصلا بذلك إلى فرنسا ، لاقى استحسانها .
وفي 27/12/1899م أصدرت فرنسا مرسوما يقضي بإنشاء مستعمرة جديدة تحت اسم (موريتانيا)
وجعلوا عاصمة هذا الدولة المصطنعة ( سان الويس )،وهي التي يطلق عليها الموريتانيون (اندر).
ولا شك أن خطة هذا المستشرق الصليبي الماكر كان لها أثرها البالغ فقد قامت الإرادة الفرنسية بتنفيذها في جانبيها السلمي والحربي؛ كما تنكرت لتلك الاتفاقات السابقة ، وبدأ الغزاة يغيرون بأسلحتهم المتطورة ويغرون من يستجيب لهم بالمال والمعاهدات الجانبية ، ويتلقــون في المقابل الضربات الشجاعة القوية التي ينقصها التنظيم والقيادة الموحدة مما يمكن أن يسمى حركات الجهاد والمقاومة، التي من أبرز رموزها : (
الشيخ ماء العينين، وابنه هبة الله الذي هزم الفرنسيين في معارك كثيرة وكان ينوي توحيد المغرب لذلك دخل مراكش عنوة وسيطر عليها ، وأمير البراكنة أحمد بن سيدي أعلي ، وأمير تاغانت بكار ولد اسويد أحمد الذي استشهد في موقعة تنقادوم عام 1323هـ، وأمير أدرار سيدي أحمد بن سيدي أحمد بن عيدة الذي استشهد في وديان الخروب عام 1350هـ ،وغيرهم كثير، وفي سنة 1890خضعت لهم منطقة النهر وفرضوا نفوذهم عليها ، وأنشئوا تلك المستعمرة التي طال ما خططوا لها وقد شملت الحدود الحالية لموريتانيا تقريبا بعد كثير من الحروب في كافة البلاد وقدم هذا الشعب تضحيات جسام رغم ما وقع من تخاذل وخيانة وتفرق.
وكان أقوى عامل في انتصار الفرنسيين وهزيمة المدافعين المجاهدين هو تفرق الشناقطة ، وكونهم ليس لهم أمير واحد يقاتلون تحت إمرته ، ولو مرحليا ، واستخدام العدو لسياسة التفرقة حتى بين أهل العلم والدين في بعض الأحيان ،وقد أثار ذلك خلافا طويلا في شرعية الجهاد مما كان له الأثر السلبي على معنويات كثير من المقاتلين ، ودفع ببعض أهل المعلم إلى الدعوة إلى الهجرة عن البلاد ،ودعا آخرون للانزواء والانقطاع وهو صنيع يشبه إلى حد كبير ما فعله الإنجليز في المشرق الإسلامي وإن لم يصل إليه ، حيث إن الإنجليز أوجدوا بخبثهم من يقول بإلغاء الجهاد أصلا ‍، ولم تأت سنة 1900م إلا وجميع البلاد خاضعة للمستعمر الصليبي الفرنسي على يد قائد الحملة الفرنسية الأخيرة (كبولاني)
لكنه لم يكن في حسبانه أن هذا الشعب الأعزل –في نظره- سيتولى قتله وقتل كثير من قادته وجنده ، وهو الذي تمرس في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي وأسهم في بسط نفوذ فرنسا على كثير من البلاد ، من خلال الجمع بين الدهاء والمكر والقوة ، فقد لقي حتفه على يد الشريف المجاهد سيدي ولد مولاي الزين في مدينة تجكجكة في يوم 12/مايو1905م.
ولم تصل فرنسا إلى هذه السيطرة إلا بشق الأنفس مستخدمة سياسة الاحتواء السلمي التي رسمها هذا الصليبي الماكر،مع استخدام القوة والبطش في كثير من الأحيان.
ويمكن أن ألخص أهم وسائلها المباشرة فيما يأتي :
1- البحث والدراسة والتعرف على العقلية الموريتانية ونقاط قوتها وضعفها وما يكن أن يؤثر عليها .
2- الاتصال بالأعيان من مشايخ الصوفية وأمراء القبائل والتجار وإقناعهم بما في النفوذ الفرنسي من مصالح اقتصادية وأمنية ، وتخويفهم بما لديها من قوة عسكرية ضاربة ، وإطلاع بعضهم على بعض تلك الأسلحة ،وتقديم الأموال والميزات لبعضهم .
3- إقناع ، وإشاعة أن فرنسا إنما تريد نشر العدل وحماية الضعفاء وتبجيل العلماء وعدم التعرض لأي أحد في دينه أو عادتــه.، .
4- إشاعة النزاع والحروب بين القبائل من خلال دس ا لعملاء واصطناع الفتن، مستفيدين في ذلك من معرفتهم لأحوال الأمراء وما بنهم في الأصل من نزاعات وثارات قديمة ، ثم إذكائها ودعم كل طرف ، دون أن يطلعوا المشايخ والمصلحين على ذلك ، وإنما ينبهونهم على خطر هذه الفتن وأنهم يريدون القضاء عليها وإحلال الأمن بين الناس ، مما دفع ببعض المشايخ حرصا منه على حقن الدماء وإحلال السلم إلى كتابة فتاوى في هذا الخصوص، وهي خطة لا يزال الغرب يطبقها إلى اليوم..
(راجع: إمارتا إدوعيش ومشظوف تأليف الشيخ سيدي بابه ولد الشيخ سيدي ، وكتاب : الزوايا في بلاد شنقيط في مواجهة الاستعمار الفرنسي_فصول في التاريخ السياسي الموريتاني الحديث للدكتور محمد المختار ولد اباه،وكتاب موريتانيا عبر العصور تأليف الأستاذ محمد عبد الهادي ، وكتاب: ميراث السيبة لأحمد محفوظ مناه).
4-قيام الدولة الموريتانية المعاصرة :
قامت الدولة الموريتانية الحديثة سنة 1960م وتولى المحتل الفرنسي تسميتها بهذا الاسم من أجل أن يقطع صلتها بماضيها المشرق لذا لم يختر لها مثلا : (دولة المرابطين الإسلامية ، ولا دولة كونبي صالح ، ولا دولة شنقيط ، ولا دولة بني حسان ….إلخ.) واستخرج لها هذا الاسم متخطيا كل ذلك ذلك التاريخ والحافل من أجل ربطها بالأوربيين من خلال هذا الاسم الذي لم يكن يعرفه أكثر الشناقطة قبل إعلانه ، يقول أحد السياسيين الموريتانيين المعاصرين لقيام الدولة: إنهم بذلوا جهودا مضنية من أجل إضافة قيد (الإسلامية )بعد أن لم يتمكنوا من تغييره.
وتقع هذه الدولة في الجهة الغربية من القارة الإفريقية ، وتقع غربا على شواطئ المحيط الأطلسي ، ويحدها من الشرق مالي ،ومن الجنوب مالي والسنغال ، ومن الشمال الجزائر والمغرب، وتبلغ مساحتها 1,030,700كلم2، ويقدر عدد سكانها بحوالي ثلاثة ملايين نسمة ونسبة الإسلام فيهم 100%100 .، ولغة أغلب الشعب الرسمية هي اللغة العربية ، وهناك لغات وطنية أخرى لا سيما في الجنوب ، بينما لغة الدولة الأولى هي الفرنسية والثانية العربية!
وينص المادة الثانية من دستورها : على أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للشعب ، وأن رئيسها يجب أن يكون مسلما.(قصة وتاريخ الحضارات العربية بين الأمس واليوم لجوزيف صفر (23-24/159-173، وموسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية للدكتور أحمد شلبي ص500).
5-الرحلة الشنقطية إلى الحج وآثارها في سمعة الشناقطة (الموريتانين):
كان ذلك عرضا سريعا مقتضبا لمراحل زمنية تحتاج إلى الكثير من الكتابة والتحليل لتاريـخ ( شنقيط وأهليها وآثارهم الإيجابية في المغرب والأندلس) ليس هذا مكانه ، ولا شك أن فيه جوانب مضيئة كثيرة تركت ءاثارا إيجابية عميقة على سمعة هذه البلاد في الداخل والخارج ، ولو لم يكن من ذلك سوى المحافظة على العلم والدين وخا
ة اللغة العربية ، وتأخير سقوط الأندلس أكثر من أربعة قرون والوقوف في وجه الغزو الفكري الصليبي مما جعله يخرج من البلاد دون أن يترك أثرا سلبيا يذكر ، بخلاف ما فعله في جميع (مستخرباته)، مما جعله يركز على ما فاته بعد ما عرف بالاستقلال!!
أما في المشرق : فقد عرف أهل تلك البلاد بالشناقطة لأنهم كانوا ينطلقون في رحلاتهم إلى الحج من شنقيط في قوافل كبيرة تتخذ محطات محددة إلى أن تصل إلى بلاد الحرمين ، في رحلة علمية إيمانية فريدة ، دونها كثير منهم في مذكراته ، كالرحلة التركزية ، ورحلة ولد اطوير الجنة ، ورحلة الولاتي، ورحلة الشيخ محمد الأمين ، وما سجله التاريخ مما ارتبط في أذهان كل من مروا عليه عبر تلك الرحلة بأنهم كما قال العلامة المختار بن بونة –رحمه الله- :
ونحن ركـب من الأشراف منتظم أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيـس مدرسـة بهـا نبين ديـن اللـه تبيـانا
فهم لم يكونوا مجرد حجاج وإنما كانوا دعاة علماء لا ينزل أحدهم في مكان إلا حلت به البركة وسطع به نور العلم لما يسمع فيه من تلاوة القرآن والتطبيق الحي لما جاء فيه من صلاة وذكر وكرم وحسن خلق واستعفاف عما في أيد الناس ، مما جعل القلوب تحبهم وتجلهم وتكبرهم ، حتى وجه أحد المعجبين بهؤلاء الصالحين سؤالا عجيبا غريبا لأحدهم ، وهو قوله: يا شيخنا هل يوجد شنقيطي يعصي الله تعالى ؟! طبعا أجابه الشيخ بأنهم بشر ويوجد فيهم من يعص الله تعالى ، لكن السبب في السؤال أن السائل لم ير منهم من يعصي الله فظن أنهم كلهم كذلك ..
لقد كانت هناك سمات واضحة يشترك فيها أغلب الشناقطة وخاصة الذين يأتون إلى هذه البلاد المقدسة وهي العلم والتقوى إلا أن هناك مصابيح في دجى الليل المظلم يحملون هم الدعوة وإبلاغها للناس على بصيرة، بالحكمة والموعظة الحسنة ويحرصون على ما ينفع الناس وهم بحمد الله كثيرون وإنما أقتصر هنا على بعض أمثلتهم ، ( والشأن ألا يعترض المثال )فمن هؤلاء:
1- الشيخ محمد الأمين الحسني الذي حج وذهب إلى الأحساء والقصيم والكويت ووقف في وجه الانجليز الماكرين وتآمرهم على الخلافة الإسلامية وحرض وأفتى على وجوب مناصرة العثمانيين وعدم جواز الخروج عليهم ، ثم استقر به المقام في العراق فأنشأ مدرسة الشنقيطي في زبير ولا زالت معروفة إلى اليوم، وبذلك عد علما من أعيان الكويت والعراق وموريتانيا .
2-وكذلك العلامة اللغوي محمد محمود ولد التلاميد التركزي الذي اشتهر أمره حتى على المستوى الدولي في ذلك الوقت ؛ رغم ضعف الاتصالات وندرتها، ولا زالت بصماته ظاهرة في المصادر اللغوية من نحو وبلاغة وصرف وشعر، أما القاموس فالنسخة الموجودة منه اليوم فمصححة على نسخته وتحرص المطابع على ذكر ذلك ، ويكفي في الدلالة على أهميته في هذا الجانب قول الشيخ المحقق محمود محمد شاكر-رحمه الله- في مقدمة كتاب (أسرار البلاغة )لعبد القاهر الجرجاني :[وقد أوقع في قلبي الريبة من هذه التصحيحات ما أعلمه من تسرع الشيخ عبده وطغيانه في التصحيح بغير دليل اعتمادا على ذكائه ، وحبه الظهور على أقرانه، ولكن سكن من ريبتي استعانة رشيد رضا بالشيخ محمد محمود الشنقيطي لما أعرفه عنه من التثبت وحسن بصره بلغة القوم في عصورهم المختلفة]ص8، وهو الذي طلب ملك السويد والنرويج (اوسكار الثاني)عام 1306هـ من الخليفة العثماني أن يرسله إليه ليحضر المجمع الشرقي الثامن المنعقد في (استوكهلم) وكان سبب ذلك أن المستشرقين اتفقوا على أنه أعلم شخص بالعربية في زمنه شعرا ونثرا، وأنه يتكلم بها كما كان العرب يتكلمون بها،كما أرادوا أن يتسفيدوا من خلاصة ما توصل إليه من نتائج لغوية انفرد بها في هذا الفن إلى غير ذلك .
وقد أشار إمام اللغة محمد محمود التركزي إلى ذلك في قصيدته التي مطلعها :
ألا طرقت مي فتى مطلع النجم غريبا عن الأوطان في أمم العجم
وفيها يقول عن نفسه:
أأنت الـذي اختـارتك من أهل طيبة ملوك السـويد في مجادها الشم
فرامت من السلطان بعثك وافـدا عليهم خصوصا أجل مجمعها العلمي
وفيها يقول:
عن العرب العرباء آتيك نائبا وعن أمة الإسلام في العلم والفهم
وفي اللغة الفصحى القريشية التي بها أثبت القرآن في الصحف بالرسم
وفيها قوله:
أنا المغـربي المشرقي حميــة أذب عن القطرين بالسيف والسهم
وهو الذي كان يحمل هم وقف الشناقطة ونزعه من يد المفسدين ووضعه في موضعه الصحيح مما يجعله يسافر إلى دار الخلافة من أجل هذا الأمر ، ويجعل ذلك شرطا أساسيا من شروطه على الخليفة العثماني .
(الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة العلمية –الشنقطية التركزية للتركزي)
4-وكذلك الشيخ محمد أمين صاحب الوسيط الذي كتب هذا الكتاب الذي يعد من أهم مراجع تاريخ وأدب هذا البلد من حفظه ، وله جهوده العلمية المعروفة.(يراجع الوسيط).
4-أما العلامة سيدي عبد الله العلوي فقد طاف ببلاد المغرب والمشرق وترك آثارا حسنة مع كل من قابله في تلك الرحلة المباركة ثم جمع خلاصة علمه وفكره في فنون عديدة ورجع إلى بلاده ثم نظمها وشرحها وقدمها لأهل تلك البلاد عن طريق التدريس والتأليف وفي ذلك يقول –رحمه الله في آخر ألفيته الأصولية (مراقي السعود):
أنهيت ما جمعه اجتهادي *****وضرب الأغوار مع الأنجاد
مما أفادنيه درس البررة *****مما انطوت عليه كتب المهرة
وهكذا فعل في الفنون الأخرى حتى غدت كتبه من أهم المراجع التي يعتمد علها، وبذلك لقب:بمجدد العلم في زمنه في بلاد شنقيط.
5-ثم جاء من بعدهم العلامة محمد حبيب الله ولد ما يابى الجكني الذي علم في هذه الب
لاد المقدسة حيث كان يدرس في المسجد الحرام والمسجد النبوي ، وفي المدرسة الصولتية بمكة المكرمة وخرج أجيالا أمثال العلامة الشيخ حسن بن محمد المشاط ولم يقبل أن يضام أو أن يعيش في هذه البلاد المقدسة دون أن يعلم ويدعو إلى الله تعالى ، مما جعله يرضى بالذهاب والهجرة منها رغم شوقه وحبه وتمنيه على الله أن يموت بها وإنما فعل ذلك حفاظا على علمه ودعوته وسمعته،يقول الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان – حفظه الله: (هاجر الشيخ محمد حبيب الله إلى مصر ودرس علم الحديث بالأزهر الشريف وأفاد منه كثير من علمائها واشتهر بين أفاضلهم وعرفوا له منزلته ، ومؤلفاته كثيرة مفيـدة في فروع متنوعة من علوم الشريعة والعربية)الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة ص 74.
6-وكذلك أخوه العلامة محمد الخضر بن ما يابي الجكني الذي كان قاضي المالكية في المدينة المنورة ثم رحل مع الأشراف إلى الأردن وهو صاحب كــــوثر المعاني الدراري في شــرح خبايا صحيـــح البخاري.
7-أما العلامة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي فهو العلم الذي ليس منكم أحد إلا ويعرف عنه الكثير لما شاع عنه من علم وورع ودعوة ونصح للمسلمين عامة وقد استفادت منه كثيرا في جوانب عديدة لذا أرى أن الحديث عنه بين يديكم قد لا يكون مناسبا لأن منكم من يرجع إليه في الكتابة عنه ، ولا يزال ذكره يدوي في مسمعنا جميعا إلى اليوم في مجالس العلم والفضل ، ولقد سمعت شيخنا عطية بن سالم – رحمه الله- يقول إنه لا يوجد في هذه البلاد أحد يشار إليه في العلم بعده إلا وقد تعلم عليه أو على من تعلم عليه.
ومن غرائب وفرائد هذا القطر التي يجب أن يفخر بها ويعتز أبناء شنقيط في كل مكــان ولا أظنها وجدت لغيره ، هي أنه اشترك في اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي الأول بجدة خمسة من أعيان شنقيط كل واحد منهم يرأس وفدا أو عضو فيه يمثلون خمس دول هي : ( موريتانيا، المغرب، المملكة العربية السعودية ، الأردن ، اليمن ) كما حدثني بذلك الشيخ أحمد ولد أحمد بابا-حفظه الله – بمكة المكرمة عام 1419م ، وهو يعرف أسماءهم، وقبائلهم ، فليراجع في ذلك .
أولئك أعلام شنقيط وسفراؤها الحقيقيون الذين رفعوا سمعة هذه القطر  فرحمهم الله وجزاهم عنا خير الجزاء .
لقد حدثنا شيخنا الجليل الشيخ عطية رحمه الله ذات مرة عن والده وشيخه محمد الأمين رحمه وأنه قال له يوما وقد دعاه الملك وأظنه الملك سعود – رحمهم الله جميعا- إني أخاف من هذه الزيارة أو المقابلة على كنز عظيم لدي ! فتعجب الشيخ عطية وقال شيخي وهل لديك كنز؟ قال : نعم ، إنه كنز القناعة .
هذا ما جعل آباءنا وأمهاتنا يخرجون إلى الشوارع في جميع البلاد وهم بلابسهم اللافت للنظر (الدراعة والملحفة )-وربما يكون في بعض الأحيان غير جديد ولا جميل، لكنه كان ملتزما بحدود الشرع -والجميع يتطلع إليهم بالمحبة والتقدير ، ويحرص على الفائدة منهم

 

 

 

لمحات من موريتانيا

أوردت مجلة العربي الكويتية في أحد تقاريرها الاستطلاعية عام 1967 الذي أعده الصحفي اللبناني سليم زبال ضمن سلسلة أعر ف وطنك أن موريتانيا هي بلاد المليون شاعر..! وقد ظل ذلك العنوان من لحظتها علما على موريتانيا عند النخبة المثقفة عربية كانت أو غربية

…إنه وصف معبر لحدّ الإعجاز ومثير حتى درجة الدهشة ..إلا أنه بحسب – بعض النقاد والمتخصصين- مؤسس على قدر من الشفافية والموضوعية..وربما ذلك ما يبرر للكثيرين شحنات الاستغراب التي تولد استدراكا بالتساؤل إذ : كيف يكون البلد شاعرا ..وهل يعقل أن يكون كل " الساكنة" من الشعراء الفحول..ربما "نعم" ، وربما "لا" . وبين تلك الـــ نعم ، وهذه الــ لا..نستأذن في عرض موجز لبعض صفحات تاريخ البلاد البرزخية لنروي جزء من حكاية الشعر في بلاده.

ٍإن قصة الشعر في موريتانيا قصة قديمة قِدَمَ تلك الأرض وأهلها..فلقد بذروا بذوره ، وحصدوا ثماره اليانعة شعرا ظل ينطق بالحكمة والموعظة والبيان الساحر الأخاذ ، وذلك منذ انتشرت في تلك الربوع والفيافي مدارس العلم (المحاظر) ، وتزايدت أعداد أمهات المراجع الفكرية والثقافية الإسلامية التي هي عماد المناهج التعليمية في جامعات الصحراء المتنقلة ، الشيء الذي أدّى بسرعة متسارعة إلى ظهور فنون الكتابة والـتأليف ، وما يوازي ذلك من الاتساع الأفقي والعمودي للمعرفة بشتى ألوانها وصنوفها.

إنها لوحة " ابستمولوجية" ترتسم في عمق الصحراء وعلى كثبانها وسهولها لثقافة عربية إسلامية تعكسها علوم الأصول ( القرآن الكريم ، الحديث الشريف) ، وعلوم العقائد ( كالأشعرية) ، ومدارس الفقه (أساسا .. المالكية ، بروايتها المصرية الخليلية ) ، وعلوم اللغة الفصحي ( ألفية ابن مالك ومثيلاتها في النحو العربي ، والخطيب القزويني في البلاغة….) ، ومخازن الشعر الرئيسية في معلقات الشعر العربي قبل الإسلام التي بلغت العشر ، وما يضاف إليها من مضامين شعرية في عهد الدعوة الإسلامية الأول ، وكذا فترة الأمويين والعباسيين….الخ كان ذلك هو المهاد الفكري والثقافي الذي احتضن الذاكرة الشعرية للموريتانيين منذ عشرات القرون الخالية ، ويشهد لهم تاريخهم وآثارهم الباقية على قلتها وضياع أكثرها ، أنهم تحملوا رسالة سامية في إحياء التراث العربي والإسلامي في حياتهم البدوية الأصيلة ، وذلك من خلال اعتزازهم بالاسترشاد والتوثيق لعلم الأنساب وأيام العرب و بطولاتهم . وقد بلغ من شغف الموريتانيين بعلوم اللغة العربية في صحاريهم وفيافيهم المقفرة الوعرة أن أنزلوها منزلة – أسمى ، ربما- من منزلة الدراسات الدينية والفقهية.

ولعل ذلك ما قصده المستعرب الفرنسي المعروف " جاك بيرك" حين أكّد أن "بلاد شنقيط كانت متخصصة في الدراسات اللغوية والأدبية بالمقارنة مع البلاد العربية الأخرى في القرون الثلاثة الأخيرة" ولذلك الاهتمام لم يكن إطلاق صفة "العالم"هينا لدى الموريتانيين ، إذ يشترط فيه الضرب بأسهم في النحو والبلاغة ن علاوة على استظهار المشهور من نصوص الأدب العربي نثرا وشعرا ، وتلك ميزة اختص بها المثقفون الموريتانيون في الأغلب الأعم حتى الآن ، خلافا لنظرائهم وأشقائهم في المشرق والمغرب المتمشرق ، حيث يسود النزوع إلى احترام التخصص الدقيق ، ولقد ظل الدرس اللغوي مهملا في الأزهر الشريف لفترة غير يسيرة حتى أمسك بزمام إدارته الإمام الشيخ محمد عبده ، الذي فاجأته قدرة العلماء الفقهاء الموريتانيين على إتقان اللغة وتوابعها بعد أن تعرّف عليهم عن كثب ، ولهذا لم يتردد لحظة وهو يقوم بتكليف العالم الموريتاني الفقيه محمد محمود ول اتلاميد التركزي ، الذي تفرد بتدريس اللغة العربية في الأزهر سنينا طويلة .

ومن الإسهامات المجمع عليها للعلامة التركزي هي أن النسخة التي لا تزال متداولة حتى اليوم من القاموس المحيط للفيروزأبادي قد صُححت وحققت من طرفه ، بالإضافة إلى تآليفه الفقهية الأخرى المعروفة.

وهكذا يكون قرض الشعر في بيئة صحراوية ، تشبه البيئة العربية في نجد والحجاز ، وتنتشر فيها العلوم والمعارف على النحو المشار إليه ، نوعا من تحصيل الحاصل أو لزوم ما يلزم بالضرورة… ومع ذلك فإن المؤرخين لم يستطيعوا أن يحسموا حتى اللحظة في تحديد تاريخ مضبوط للشعر في هذه البلاد ، ولذلك لا يزال المختلف فيه هو : أين ومتى ولماذا ولد أول نص شعري في موريتانيا؟؟

ولا يخفي أن الصعوبة تكتنف الإجابة ، وذلك بالنظر إلى أن الموريتانيين مثلهم مثل مواطنيهم العرب الذين لا ينشغلون – عادة – بتدوين آثارهم ، إذ يرتكز جلّ اعتمادهم على الحكاية الشفوية و المرويات القولية ، وفي ذلك ما فيه من وفاء لطبيعتهم الشاعرية المتأصلة التي لا تهتم بأكثر من قرض الشعر وترك شوارده تتردد في أصداء الصحراء الفسيحة .

وبالرغم من ذلك ، فإن بعض المثقفين الموريتانيين قد اجتهدوا في محاولة تحديد أول نص شعري في موريتانيا ، وفي مقدمة هؤلاء الأستاذ الشيخ الخليل النحوي في " منارته ورباطه" ، حيث يكاد يجزم أن أول نص شعري عثر عليه على أديم هذه الأرض هو قصيدة توسلية دينية للفقيه الولي " محمد قلي ول ابراهيم" ، الذي هو أحد بناة شنقيط الثانية حوالي 650 للهجرة ، وفيها يتوسل الشاعر محمد قلي إلى الله سبحانه وتعالى أن يرزق ساكنة شنقيط من الغيث ، وتجمع الروايات الشفوية المتوارثة منذ ثمانية قرون أن الله استجاب لدعو
ته فنزل مطر من القمح في منزله ، استطاع منه أن يموّن شنقيط في ذلك العام !!

والقصيدة المذكورة تقع في أزيد من أربعين بيتا من بحر البسيط وفيها يقول:
الحمد لله مادام الوجود له *** حمدا يبلغنا من الرضا أبــــدا
ثم الصلاة على خير الورى أحمدا *** وآله الكرما وصحبه الزهـــــدا
يارب هيء لنا من أمرنا رشـــــدا *** واجعل معونتك الحسنى لنا مـــددا

وقد كانت تلك القصيدة ومضامينها الأدبية والبلاغية موضوعا لأحد يحوث التخرج في جامعة انواكشوط قبل سنوات .

إن ذلك الأنموذج يوضح أن الموريتانيين قد تعايشوا تاريخيا مع القافية الخليلية ونسجوا على منوال أبحرها أشعارهم وأوزانهم المقفاة. وإن كانت الأغراض الشعرية قد بدأت خجولة – على حد تعبير الباحث الكبير الراحل أحمد ( جمال) ولد الحسن- في بداية الأمر ، نظرا لثقافة التدين الشديد والزهد والورع المنتشر الذي لا يقبل من الشعر إلا في نطاق مدح النبي صلي الله عليه وسلم أو التوسل إلى الله عزو وجل في الملمات ، وذلك على اعتبار الأغراض الأخرى " مستقبحة" وخصوصا غرضي الغزل والهجاء ، ولذلك فليس بالمستغرب في وسط معرفي كهذا أن تنزل قبيلة شهيرة العقاب الأليم بأحد أبنائها جزاءا وفاقا على بيتين قرضهما من " الغزل العفيف"! وقد حدث ذلك خلال القرن الحادي عشر الهجري .

ويشير ابن بنان البرتلي مؤلف كتاب " فتح الشكور في معرفة أعيان وعلماء التكرور" إلى أن من مناقب أحد أشياخه ، أنه لم يقل من الشعر إلا قصيدتين تأسيا بالسنة!! وذلك نظرا إلى أن ابن أبي زيد القيرواني ، الذي تعدّ رسالته في الفقه المالكي إحدى ضرورات التفقه في البلاد ، قد حذّر من " الإكثار من الشعر أو الانشغال به".

ويظهر من استقراء وتتبع الإنتاج الشعري لدى الموريتانيين في تلك القرون السحيقة ، أنه كان جزء ثانويا من نشاط الفقهاء على هامش اهتماماتهم الرئيسية بعلوم الأصول والفقه الإسلامي ، ولذلك كان الشعر لديهم يأتي في شكل مقطوعات مديحية أو توسلية يحرصون على سلامة وزنها وقافيتها فقط .

ولهذا ، فإن بعض المنشغلين بتحقيب تاريخ الشعر في موريتانيا توصل إلى أن البداية الحقيقية المتواصلة لم تبدأ إلا من بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي كما يري ذلك الشيخ محمد المختار ولد اباه في تناوله للشعر والشعراء في موريتانيا.

وتأسيسا على ذلك ، فإن الشعر سرعان ما تألق نجمه وتصاعدت وتيرة إنتاجه وتسويق إبداعه في تلك البلاد ، بل وانتقل تعلمه نقلة نوعية كبرى مع عمالقة عظام من كبار الشعراء الأفذاذ ، مثل ابن رازكه ( المتوفي 1143 هــ ، وقد ترجم له فتح الشكور في الصفحة 163 ، والوسيط : ص1) ، والشاعر محمد اليدالي (المتوفي 1166 هــ ، وترجم له فتح الشكور ص 123 ) ، كما ألف العلامة النابغة القلاوي " السد العالي في مناقب اليدالي ".

وكانت الأغراض التي اهتم بها أولئك العظام هي : المدح والرثاء والألغاز العلمية والمساجلات الفقهية ، إذ يري الباحث أحمد ولد الحسن: "أن ابن رازكة هو أول من وصل حبل الشعر الشنقيطي بسنة أثيرة من سنن الشعر العربي ألا وهي المقدمة الغزلية" .

أما الشاعر العملاق محمد اليدالي ، زميل ابن رازكه وصديق طفولته ، فهو علاوة على كونه كان شاعرا ، فهو فقيه من الطراز الأول ، ومتكلم بارع ومؤرخ ومتصوف ، ويحتوي ديوانه الشعري الذي نشر أزيد من 1300 بيت شعري في كل المدح والرثاء والفخر والابتهال ،وهو أول شارح لشعره ، ومن أشهر قصائده تداولا بين الكافة قصيدته " صلاة ربي" ، ومطلعها:

صلاة ربي مع السلام *** على حبيب خير الأنام

وله أيضا قصيدة أخرى تتشابه من ناحية سبكها مع الموشحات الاندلسية وفيها:
ربّ بجاه أحمدا *** أفضل خلق الخالق
ارزق سعيدنا الهدى *** يا خير هــاد رازق
سدد واصلح أمره *** يا رب واشرح صدره
وارفع دواما قدره *** بأكرم الخـــلائق

وقد شهدت الحركة الشعرية في موريتانيا أزهي مراحلها خلال القرنين الثاني والثالث عشر حيث أينعت الحركة الأدبية في موريتانيا على نحو غير مسبوق، وذلك على عكسا لواقع الحال في المشرق العربي الإسلامي ، الذي كان يئن تحت وطأة تداعيات التدهور والانحطاط والركاكة …حيث استطاع الموريتانيون إحياء شكل القصيدة العربية القديمة ، وذلك ما جعلهم يتساكنون مع أجزل مستويات المعجم العربي وأصعبها قوة وأعمقها معنى وهو المعجم العربي الجاهلي.

وفي حين يثبت مؤرخو الأدب العربي أن محمود سامي البارودي ( الذي ينحدر من أسرة شركسية الأصل ) ،هو أول من ردّ الديباجة الشعرية إلى صفائها الأول ، وأنه صاحب الفضل الكبير في تجديد أسلوب الشعر وإنقاذه من وهدة التكلف العقيم . إلا أن أحمد ولد الحسن يري أن المجددين الموريتانيين كانوا أسبق من " البارودي" بكثير من الزمن إلى مضامين التجديد المشار إليه .
ويعزز أحمد ولد الحسن تحليله بمعطيات التاريخ غير القابلة للنقض أو التشكيك ، حيث إن الشاعر الموريتاني امحمد ول الطلبة اليعقوبي ( محي الشعر الجاهلي ومعارض الأعشى وحميد و الشماخ ) وهو القائل مقولته الشهيرة :" أرجو من الله أن أقعد أنا و الشماخ بن ضرار في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتينا لنعلم أيهما أحسن "!!! وكان ولد الطلبه هذا قد ولد عام 1774 م أي قبل ميلاد البارودي بـ64 سنة ، وتوفي في سنة 1865 ، والبارودي حينها لم يتجاوز السن الثامنة عشرة فقط ، وهو ما يعني أنه مات قبل ميلاد شوقي ( أمير الشعراء) بــ 13 نسة تقريبا .

إن ذلك مجرد مث
ال واقعي ، من أمثلة أجلّ من الحصر ، يفيد لمن يريد ألا يتشابه عليه الحكم أن الموريتانيين قد بدأوا عملية إحياء الشعر الجاهلي و الاندلسي قبل مدرسة الإحياء في المشرق العربي ، ولكن جهودهم بقيت ضحية "مؤامرة صمت" كما يقول أحمد ولد الحسن .. ونضيف على ذلك أنها ربما كانت ضحية مؤامرة جهل ، والجهل أكبر المتآمرين!!

إن جهود الموريتانيين الشعرية دلت عليها آثارهم القليلة ، التي تشي بحجم إنتاجهم الغزير المطمور بين الرمال ، و التي تحوى إبداعا زاخرا بالتنوع الدلالي والتأويلي لمن يرغب في دراسته وتحليله .

وفي هذا السياق من الوعي بعلاقة الموريتانيين بالشعر تتنزل المقولة الخالدة أن موريتانيا بلاد المليون شاعر ، وذلك ما يدركه كل من يأتي إلى موريتانيا ، وهو ما فاجأ الوفد الإعلامي لمجلة العربي الكويتية ، حيث كان الشعر ضمن طقوس الضيافة لدى الموريتانيين وهم يقابلون زائريهم من إخوتهم العرب في الستينيات من القرن السابق وقبل أن تدخل بلادهم إلى الجامعة العربية ، كما أن الغرابة نفسها عكسها أسعد طه في زيارته لموريتانيا ضمن برنامج يعده لقناة الجزيرة الفضائية حيث استقبله طلاب إحدى المحاظر بقصيدة ترحيبية لم يملك إلا أن يؤكد حقيقة أن هذه البلاد بلاد المليون شاعر!

ولقد بدأت المؤسسات العربية المنشغلة بتدوين الإنتاج الشعري العربي مثل مؤسسة البابطين بتضمين معجمها لأسماء شعراء موريتانيين معاصرين من أمثال أحمدو ولد عبد القادر وناجي محمد الامام ومحمد كابر هاشم ومحمد الحافظ ولد احمدو وغيرهم من الذين لاتزال اسماؤهم لامعة في سماء موريتانيا الشعرية حتى الوقت الراهن.

ومع المكانة التي يحتلها الشعر في قلوب وعقول الموريتانيين ، فإن أهله لا ينصرفون لتدوينه وتوثيقه ، إلا نادرا ، وفي ظروف استفزاز علمي خاصة ، مثل تلك التي أشار إليها العلامة الشنقيطي أحمد ولد الأمين في زيارته لقاهرة المعز حين فاجأ القوم المصريين في بداية القرن العشرين بفصاحته ولغته الجزلة الشاعرية فتساءلوا في استغراب لا يخلو من تهكم : هل يوجد في بلادكم أدب وشعر ؟ فلم يجبهم إلا بعد شهر حين جاءهم وهو يحمل مسودة كتابه الأشهر : " الوسيط" الذي احتوى أزيد من عشرة آلاف بيت مع ترجمة ضافية لشعراء مدونته ونبذ وافية عن الحياة الفكرية والاجتماعية والثقافية ….وكل ذلك مما وعته ذاكرته فقط!!!

وللمرء أن يتصور انه لولا ذلك الموقف " الاستفزازي" الذي تعرض له الشيخ الشنقيطي ، لربما ضاع ، ومن شبه المؤكد أن يضيع ، شعر وعلم كثير ينتهي بوفاته ، ولكن حظ الأجيال الآتية كان كبيرا فيما يبدو.

وينبغي أن يقال بصراحة أن المؤلفات عن الشعر وأهله في بلاده محدودة جدا ، إن لم تكن منعدمة ، رغم وجود ثروة معرفية لامتناهية . ولعل ذلك ما يتطلب ذهنية أخرى وإرادة أخرى إن لم يكن الحاضر والماضي من همومها فليكن مستقبل أجيال لا تزال في علم الغيب ، ولاشك أن تلك الأجيال ستكون في شوق كبير لمعرفة ماضي أهلها – خصوصا حين يقال لهم أنتم من بلاد المليون شاعر – بكل مكوناته الفكرية والاجتماعية والأدبية . وإن لم يدوّن لها ذلك التاريخ ، فإنها لن تتردد في التحلل منه إن كانت منصفة ، أو لعنه والدعاء عليه إن كانت غير ذلك وفي كل الأحوال فإن المنشغلين بهموم الفكر والثقافة يعطونها المبرر التاريخي في المواقف التي ستتبناها تلك الأجيال لاحقا

 

 

الهجرة الي الي الشمال

ينتظر ما يقرب من نصف مليون افريفي الفرصة لدخول الاتحاد الاوروبي بصورة غير شرعية ومن خلال قوارب الموت التي غرق احدها أخيرا قرب السواحل الموريتانية. ونقلت وكالة الانباء الهولندية امس عن مصادر اسبانية ان هناك مئات الآلاف من الافارقة ينتظرون الفرصة للعبور من السواحل الموريتانية الى جزر الكناري الاسبانية وتحقيق الحلم بدخول اراضي الاتحاد الاوروبي وجاء هؤلاء الاشخاص من عدة دول في جنوب الصحراء وخاصة من غانا وساحل العاج وغامبيا وليبيريا وانتشروا في عدد من المدن الساحلية على حوض المتوسط او المحيط الاطلسي وعملوا في مهن شاقة حتى جمعوا مبلغ الف يورو اللازمة لنفقات ركوب القوارب التي تحملهم الى مصير مجهول في رحلة تهدف اساساً الى نقلهم من سواحل موريتانيا الى جزر الكناري الاسبانية. وقد لجأ هؤلاء أخيرا الى السواحل الموريتانية بعد ان وجدوا صعوبة في العبور الى اسبانيا عبر الاراضي المغربية وخاصة في اعقاب تشديد السلطات المغربية اجراءاتها الأمنية على الحدود المشتركة مع اسبانيا بناء على طلب من الاخيرة. واشارت المصادر نفسها الى ان السلطات الموريتانية بدورها اكتشفت قاربا يحمل 200 من المهاجرين غير الشرعيين في عطلة نهاية الاسبوع الماضي خلال محاولة لدخول اراضي الاتحاد الاوروبي بصورة غير شرعية. كما ان قاربا آخر كان يقل أعدادا اخرى منهم غرق منذ عشرة ايام قبالة السواحل الموريتانية وتوفي خلال الحادث 56 شخصا من الافارقة الذين يحلمون بالسفر الى الاتحاد الاوروبي. ونقلت وكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ) أمس عن السلطات الموريتانية أنها تمكنت من إحباط مئات من عمليات التسلل لمهاجرين غير شرعيين من أراضيها نحو اسبانيا. وأكدت وزارة الداخلية الموريتانية في بيان لها أن الجهود التي تبذلها الاجهزة العسكرية والامنية الموريتانية بمحافظة نواذيبو شمال البلاد لمكافحة الهجرة السرية تمكنت من إفشال ما يزيد على 600 محاولة للتسلل خلال الشهر المنصرم وإنقاذ حياة المئات من المهاجرين الافارقة الذين تقطعت بهم السبل في عرض البحر ومن كانوا على وشك موت محقق.

وجاء البيان الحكومي خلال اجتماع للتنسيق حول أولوية محاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي «أصبحت موريتانيا بصفة عامة ومدينة نواذيبو بصورة خاصة معبرا لها». وقد تم تحديد بعض الاماكن التي يفترض أنها تستخدم كمنطلق للمهاجرين السريين للتسلل عبرها فيما يوجد محتجزون لدى مديرية الامن.