Archive | January 2007

طرق حفظ الشناقطة

كتب "كثيرون أولئك الذين يَبْتدرونني بهذا السـؤال حين يَضُمني وإياهم مجلسٌ، فيدور الحديث حول مسألة الحفظ باعتبارها من أهم قـضــايــا طلب العلم الشرعي، فيسألونني عن أسباب ظاهرة قوة الحفظ عند قومي، ولماذا كانت أهمّ سـمـــةٍ في علماء الشناقطة ـ الذين رحلوا إلى المشرق واتصلوا بالأوساط العلمية ـ القوة الفذة والقدرة الـفـائقة على استحضار النصوص؟ ويسألونني عن أعجب ما بلغني من أخبار عن نوادر الحفاظ في الشناقطة.

وكنت أجيب بما يناسب مقام كل مجلس ويفيد منه الحاضـرون، دون تقص أو تعمد بحثٍ عن الإجابة على هـذه القضية، وحين كتب الله لي أول زيـارةٍ ـ العام المنصرم ـ لبلاد الآباء والأجداد (شنقيط)، ووقفت على بعض المحاظـر الحيـة الـقــائـمــــة علـى أطـلال ورسوم المحاظر(1) العتيقة، وحظيت بلقاء أجلة فضلاء من علماء الشناقـطـــة(2)، أدركوا أواخر نهضة علمية، كان من أبرز سماتها اعتمادها على حفظ الصدور لما وجــد في السطور، وأن العلم هو ما حصل في الصدر ووعته الذاكرة متناً ومعنى، حتى غدا من أمثالـهـم التي تعبر عن هذا المعنى: (القراية في الرّاسْ ماهُ في فاس ولا مكناس) أي العلم الـمـعـتـبـر هـو ما في حفظك، وليس في كثرة الذهاب إلى المدن الحضارية ومؤسسات التعليم فيها. حين كتب الله لي تلك الزيارة كان مما يدور في خلدي الجواب عن السؤال المتقدم من واقع تجربة طلاب العلم في تلك المحاظر، فتجمعت عندي طرق كانت وراء تيسير الله للشناقطة ملكة حفـظ نادرة، وطــاقـــــــة ذهنية عالية جعلتهم يفخرون في ثقة واعتزاز بقدراتهم على استذكار عشرات الكتب، وجعلت العلامـة سيدي محمـد ابن العلاّمـة سيـدي عبد الله ابن الحـاج إبراهيـم العلـوي ـ رحـمــه اللـه ـ (ت 1250هـ) يقول: (إن علوم المذاهب الأربعة لو رمي بجميع مراجعها في البحر لـتـمـكـنت أنا وتلميذي ألْفَغّ الديماني من إعادتها دون زيدٍ أو نقصان، هو يحمل المتن وأنا أمسك الشروح)(3).
وجعلت العلاّمة محمد محمود التّرْكُزي ـ رحـمــه الله ـ ت عام (1322هـ) يزهو بحافظته متحدياً الأزهريين بأنه أحق بإمامة اللغة والاجتـهـــــاد فيها منهم؛ لأنه يحفظ القاموس كحفظه الفاتحة، فاستبعدوا ذلك وعقدوا له مجلساً بالأزهـــــر، فكان كما قال، فأقرّوا له وصاروا يصححون نسخهم من نسخة التركزي ـ رحمه الله ـ المحفــوظة في صدره(4).
وقبل أن أتحفك ـ أخي القارئ ـ بشيء من طرقهم وأساليبهم في الحفظ تتضمن الإجابة عن السؤال المتقدم، أتحفك بأخبار القوم ونوادرهم في الحفظ، مما وجدتـــــه مسطوراً في كتب التراجم، أو محكياً على ألسنة الرواة، وسيتملكك العجب، وتعتريك الدهـشــــة لسماعه، وتجزم معي بأن ما حباهم الله به من ذاكرة فذة، وقدرة على استحضار النصوص ربمـا لا توجد إلا في ذاكرة الحاسب الآلي، حتى صارت حكاياتهم في الحفظ غريبة تشبه الأساطير وما يجري مجرى خوارق العادات.
فـمــن ذلك ما ذُكر في ترجمة العلاّمة عبد الله بن عتيق اليعقوبي ـ رحمه الله ـ، (ت عام 1339هـ)، أنه كان يحفظ لسان العرب لابن منظور(5).
وكان الغلام في قبيلة مُدْلِشْ يحفظ (المدوّنة) في فقه الإمام مالك قبل بلوغه، وكانت توجد في قـبـيـلـــة (جكانت) ثلاثمائة جارية تحفظ الموطأ فضلاً عن غيره من المتون، وفضلاً عن الرجال، ولهذا قيل: العلم جكني(6).
وروي عن الشـيـخ سيد المختار ابن الشيخ سيدي محمـد ابن الشيخ أحمـد بن سليمـان (ت 1397م) حِفظ كـثـيــر من كتب المراجع مثل: فتح الباري، والإتقان للسيوطي، غير المتون والكتب التي تُدرّس في المحظرة(7).
ومن العجيب ما تـجــــــــده مــن محفوظات فقهائهم غير متون الفقه والأصول وما يتعلق بالتخصص، فهذا قاضي (ولاته) وإمــامها سيدي أحمد الولي بن أبي بكر المحجوب كان يحفظ مقامات الحريري، وليست من فنون القضاء ولا الفقه، وسمعتها عن الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب الأضواء ـ رحمة الله عليه(8).
وأما المتخصص في الأدب والشعـر فلا يحفظ أقلّ من ألف بيت في كل بحر من بحور الشعر العملية؛ حتى تتهيأ له ملكـة أدبيـة لينظم أو ينثر ما يريد.
فهذا العلامة الأديب محمد محمود بن أحمذيه(9) الحسني ـ رحمه الله ـ، كان يحفظ في الأدب وحده مقامات الحريري، والـمـسـتـطرف، وكامل المبرد، والوسيط في أدباء شنقيط، وديوان المتنبي، وديوان أبي تمام، وديوان البحتري؛ هذا في الأدب وحده دون غيره من فنون ومتون المنهاج الدراسي المحظري(10).
ومن نوادر نساء الشناقطة في قوة الحفظ ما حدّث به العلاّمة محمد سالم بن عبد الودود أن أمه مريم بنت اللاّعمة كانت تحفظ القامـــوس، وقد استوعبته بطريقة غريبة، حيث كان والدها يرسلها من حين لآخر إلى خيمة أحد علماء الحي تنظر له معنى كلمة في القاموس ـ وكان هذا العالم ضاناً بنسخته لا يعيرها ـ فكانت البنت تحفظ معنى الكلمة وتعود بها إلى والدها وهكذا حتى حفظت مادة القاموس كلها. وإن تعجب أخي القارئ من المتقدمين فلعل ممن أدركنا من المعاصرين الأحياء من يماثلهم في الحـفـظ؛ فمن ذلك ما حدثني به والدي ـ حفظه الله ـ قال لي يا بني: لقد كنا أيام طلبنا للفـقـه عند شيخنا الفقيه عبد الرحمن ولد الداهي، نتسابق في ختم المختصر ليالي الجـمـــع فيستفتح من (يقول الفقير المضطر) بداية الكتاب فلا يطلع الفجر إلا وقد ختمناه لا نشكك إلا في مواطن قليلة في أقفاف(11) السفر نكرر ذكر ذلك مرات، وممن أدركناه من الأحياء العلامة الشيخ أحمدّو بن العلامة الشيخ محمد حامد بن آلاّ الحسني نزيل المدينة النبوية ـ
تع الله ببقائه.
ولا أبالغ إن قلت: إن ما في صدره من العلم لو جلس يمليه عاماً كاملاً لما كرر ولا أعاد منه شيئاً؛ فمن محفوظاته في النحو والصرف طرة(12)، ابن بونة على الاحمرار(13) يحفظها بنصها، وطرة الحسن بن زين على احمراره للامية الأفـعـــــال لابن مالك أيضاً، والمقصور والممدود لابن مالك مع شواهده وهي تقرب من ألفي بيت، وضــوابط وشواهد على مسائل ألفية ابن مالك بعضها له وبعضها لوالده ولبعض العلماء الشناقـطــة تبلغ نحواً من ثلاثة آلاف بيت، إضافة إلى بعضٍ من ألفية السيوطي في النحو.
وفي غريب اللغة نظم ابن المرَحّلْ، ونظم أبو بكر الشنقيطي كثيراً من مواد القاموس، وجل شـــواهـــــد الغريب من تفسير القرطبي، ومثلث ابن مالك وهو يبلغ ثلاثة آلاف بيت مع شواهده. إلخ من العلوم والفنون…
ومن المعاصـريــن الحفاظ أيضاً صاحب المحضرة العامرة العلامة محمد الحسن بن الخديم وقد حدثني بـعــض تـلامذته أنه يحفظ النص من مرتين فقط، وأنه لا يكاد يوجد فن إلا ويحفظ فيه ألفيةً؛ حتى في الطب والعقيدة والقواعد الفقهية والقضاء، وأنه يحفظ كثيراً من كتاب سيبويه وتمنى لو جاءه في الصغر(14).
ومن النساء المعاصرات: الـعـالمة المفتية الفقيهة مريم بنت حين الجكنية والـدة الشيخ عبد الله بن الإمام، حدثني بعض تـلامـذة ابنها أنها كانت تشرح له في ألفية ابن مالك إذا لم يكن ابنها في البيت، ورويت عن قـريـبـــات لي أنها تحفظ كثيراً من المتون الفقهية وتفتي النساء في الحج والحيض، ولها ألفية في الـسـيـــــرة ولها منظومات فقهية لبعض المسائل والنوازل. وهذه نتف مما وقفت عليه لعل فيها ما يـذكـي الـحـمـــــاس لدى طلاب العلم المعاصرين.
طرق الحفظ لدى الشناقطة:
ولهـم في الحفـظ وسائل وطـرق أجملهـا فيما يلي: ـ
أولاً: التعليم الزّمَرِيّ أو ما يسمى بلغة المحاظر (الدولة) وهو دراسة جماعية يـشـتـرك فـيـهـــــا مجموعة من الطلبة متقاربي المستويات يقع اختيارهم على متن واحد يدرسونه معاً، حصةً حصةً، يتعاونون على تكراره واستظهار معانيه(15)، يتحاجون فيه، ويُنَشّط بعضهم بعضاً على المواصلة والاستمرار ومدافعة السآمة والملل. أذكر وأنا في المرحلة (المتوسطة الإعداديــة) أنني أدركت مجموعة من طلاب العلم الشناقطة (دولة) في المسجد النبوي في شعر المعلقات.
ثانياً: تقسيم الـمتن إلى أجزاء وهو ما يعرف بلغة المحاظـر (الأقفاف) مفردها: قُفّ. والمشهور في المحاظــر أن متوسط درس أو قف المتن المنظوم خمسة أبيات لا يزيد عليها إلا المبرزون الأذكياء. وأما المتون المنثورة فيتعارف أهل المحاظر على تقسيم شائع بينهم، فمثلاً مختصر العلامة الـشـيـخ خلـيـل عـنـــدهم ثلاثمائة وستون(16) قفاً، ولا تخفى فائدة هذا التقسيم للمتن المراد حفظه، فيعرف الـطــــالـب مـــواضع الصعوبة من السهولة فيحتاط في المراجعة والتكرار، كما أن تخزين المادة في الذاكرة مـرتـبــــــة منتظمة أيسر في استظهارها واسترجاعها.
ويرى الشناقطة ـ وهم مضرب المثل في قوة الحافظة والذكاء ـ أن (القـف) الكثير لا يستطيع استيعابه مع الاحتفاظ به في الذاكرة إلا قلة من الحفاظ ولذلك عمدوا إلى تجزئة كل متن.
وســـــــارت عندهم هذه العبارات مسار المثل: (قـفْ أف) أي أنه بمثابة الريح (أف اسم صوت) يمر عابراً فلا يستقر منه شيء في الذاكرة.
(نص لا بُدّ الُ يْخصّ) أي أن النصف لا يمكن الاحتفاظ به جملة فلا بد أن ينسى قارئه بعضه أو يعجز عن استيعابه أصلاً.
(الثلث يوترث) أي أن ثلث القـف يعلق بالذاكرة فلا ينساه قارئه حتى يموت كأنه يورث من بعده(17).
ثالثاً: وحدة المتن واستيفاؤه: فينصحون الطالب أن يشتغل بدراسة متن واحد يفرغ قلبه له، ويستجمع قوته لحفظه ولا يجمع إليه غيره، ولا ينتقل عنه حتى يستوفي دراسته كله، بل يرون أن جمع متنين معاً يحد من قدرة الطالب على الاستيعاب فيظل جهده الذهني موزعاً بين عدة متون لا يكاد يتقن أياً منها، كما أن بتر المتن دون حفظه كله يضيع جهد الدارس هباءً، وينم عن كسل وقصور في همة الطالب، ويمثلون لمن يروم حفظ نصين في وقت واحد بالتوأمين؛ فلا سبيل إلى خروجهما معاً في آن واحد، بل لا بد أن يسبق أحدهما الآخر، ونظموا هذا المبدأ بقولهم:
وإن تُـــرد تحـصـيــــلَ فَنّ تَمّـمــهْ وعن سواهُ قبـل الانـتـهــــاءِ مَــــه
وفـي تــــرادف الفـنـون المنـعُ جـا إذ توأمـان اجتمعـا لن يخرجـا(18)
رابعاً: صياغة المتن المنثور نظماً:
لقد وظف الشناقطة ملكَة الشعر كثيراً في تيسير العلوم للحفظ، وضمان حظ أوفر من القبول والبقاء له، ولذا غلبت الصبغة النظمية في نظام الدرس المحظري. وكما هو معلوم فإن النظم أسهل حفظاً واستحضاراً من النثر، قال ابن معط ـ رحمه الله ـ في خطبة ألفيّة في النحو:
لعلمهـم بـأن حفـظ النـظــــــم وفق الذكـي والبعيـد الفـهــــم
لا سيما مشطـور بحـر الرّجــز إذا بُني عـلـى ازدواج مـوجـز
وفي المحضرة قلّ أن تجد متناً يُدرس في فن إلا وجدت من نظمه حتى يسهل حفظه على الطلاب، فمن ذلك(19) أن أبا بكر بن الطفيل التشيتي ـ رحمه الله ـ (ت 1116هـ) نظم كتاب (قطر الندى) لابن هشام ـ رحمه الله ـ.
والعلامة محمد المامي الشمشوي ـ رحمه الله ـ (ت 1282هـ) عقد كتاب الأحكام السلطانية للماوردي بنظم سماه (زهر الرياض الورقية في عقد الأحكام الماوردية).
والعلامة الأديب عبد الله بن أحمد أُبّه الحسني نظم كتاب (مجمع الأمثال) للميداني.
خامساً: تركيزهم على بداية الحفظ والمراجعة المستمرة للمحفوظ، فعدد تكرار ا
لطالب المتوسط للقدر المراد حفظه من مائة مرة إلى ألف مرة، ويسمونه بلغة المحاضر (أَقَبّاد) فيجلس طالب العلم يكرر لوحة بصوت مرتفع في الصباح(20) ثم يعود إليه بعد الظهر ثم بعد المغرب ثم من الغد يبدأ بمراجعته وتسميعه قبل أن يبدأ في درس جديد، وهكذا يفعل مع الدرس الجديد وفي نهاية الأسبوع تكون مراجعة لما حفظ من بداية الأسبوع مع ما قبله من المتن حتى ينتهي من المتن بهذه الطريقة، ثم يأخذ متناً آخر وتصبح لهذا المتن الأول ختمة أسبوعية يمر عليه كله، وبعد تثبيته في الذاكرة ومزاحمة غيره له، لا يصل الإهمال والانشغال أن يترك ختمة شهرية للمتن، وأعرف من المشايخ في المدينة النبوية من عنده ختمة أسبوعية للألفية ولمختصر خليل وختمة شهرية للمتون القصيرة كـ (لامية الأفعال) في الصرف لابن مالك والبيقونية والرحبية وبلوغ المرام وغيرها.
سادساً: حفظ النص قبل الحضور إلى الشيخ ليشرحه، وهذه من أهم الطرق التي تعين الطالب على متابعة الحفظ دون انقطاع أو تأخر، وكان شيخنا الشيخ سيد أحمد بن المعلوم البصادي ـ رحمه الله ـ لا يشرح لأي طالب نصاً حتى يسمعه منه غيباً، فيبدأ الشيخ في شرحه وتفكيك ما استغلق على الطالب فهمه.
سابعاً: لا يحفظ الطالب إلا ما يحتاجه ويمارسه في حياته من العلوم والأبواب في الفن. فالطالب إذا كان يقرأ مختصراً فقهياً مثلاً، وبلغ في المتن كتاب الحج، ولم يكن من أهل الوجوب والاستطاعة فإنه يتعداه إلى غيره وهكذا في أبواب الفرائض والقضاء والجهاد وقِس على ذلك بقية الأبواب في الفنون المختلفة.
ثامناً: تأثر البيئة بالحركة العلمية: فقد خالط حفظ العلم في بلاد شنقيط حياة الناس هناك؛ ففي بلاد الزوايا(21)، يعتبرون من تقصير الأب في حق ابنه إذا بلغ وهو لا يحفظ القرآن حفظاً متقناً ولا يعرف من الأحكام ما يقيم به عباداته، ولا من العربية ما يصلح به لسانه، بل ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار وأنه قد عق ابنه وقصّر في تربيته. وكان من عادة أهل الشيخ القاضي (اجيجبه) أن لا يتسرول(22) الشاب منهم حتى يتم دراسة مختصر خليل، فحفظ المختصر عندهم شرط معتبر للرجولة وسمة للنضج.
وتجد أمثال العامة ومخاطباتهم خارج حلقات الدرس قد صبغت بلون المتون السائدة؛ فمن أمثالهم إذا أرادوا وصف الشيء بأنه بلغ إلى منتهاه يقولون: (لا حِق فلا إشكال) أي وصل في كذا إلى ذروته وعبارة (لاحق فلا إشكال) هي آخر جملة في مختصر الشيخ خليل.
ومن أمثالهم قولهم: (وحَذْفُ ما يُعلم جائز) وهو جزء من بيت من خلاصة ابن مالك في الألفية.
تاسعاً: عقد مجالس للمذاكرة والإنشاد والألغاز في العطلة المحضرية. وهي عطلة نهاية الأسبوع العمرية (الخميس وجناحاه مساء الأربعاء وصباح الجمعة).
فيعقد طلاب (الدولة) أو المنتهون مجالس السمر وغالباً تكون ليلة الخميس أو الجمعة يتذاكرون فيها ما درس خلال الأسبوع ويتبارون في تجويد حفظه وإتقانه، أو يحددون باباً أو فصلاً من كتاب يتحاجون فيه، وأعرف عدة مجالس في المدينة المنورة عقدت لهذا الغرض منها مجالس لبعض النساء عَقَدْنَهُ لمذاكرة حفظ القرآن والفقه والسيرة النبوية، ومن ذلك ما يُروى أن محمد بن العباس الحسني ـ وهو راوية شعر ـ ادعى ليلة في مجلس سمر أنه لا يسمع بيتاً من الشعر إلاّ روى القطعة التي هو منها، وذكر الكتاب الذي توجد فيه، فتصدى له حبيب ابن أمين أحـد تلامـذة العلامـة حُرْمـة بن عبد الجليل ـ رحمة الله على الجميع ـ فسأله من القائل:
لو كنت أبـكـي علـى شيء لأبكاني عـصـر تـصـرّم لـي فـي ديـر غسّانِ
فقال ابن العباس: نسيت قائل هذا البيت وهو من قطعة أعرفها في حماسة أبي تمام، فدعي بالكتاب، وقلب ورقة ورقة، فلم توجد فيه فقال لهم حبيب: ها هي بقية الأبيات وذكرها:
دير حوى من (ثمار) الشام أودهــا وساكنـوه لعمـري خيـر سـكــــان
دهراً يدير علينا الـراح كـل رشـــا خمصـان غـض بزنـديـه سُـواران
وقال: إن القطعة من إنشائه، نظمها تعجيزاً لزميله، وساق دليلاً على صحة قوله أن دير غسان لا وجود له في أديرة العرب.
كان شيخ المحضرة الفقيه اللغوي الشاعر حرمة بن عبد الجليل (ت 1234هـ) ـ رحمه الله ـ حاضراً فالتفت إلى تلميذه حبيب وأنشأ على البديهة:
لله درك يا غـلـيـّــــــــم مـــن فتــى سن الغليـم فـي ذكــــــاء الأشـيــــب
لستَ الـصـغـيــــــر إذا تَنِـدّ شريــدةٌ وإذا تذاكـر فـتـيــــــةٌ فـي مــــوكـب
إن الكواكب في الـعـيــــــون صغيـــرة والأرض تصغر عن بساط الكوكـب(23)
عاشراً: اغتنام لحظات السحر في تثبيت الحفظ، فلا تكاد تجد طالباً من طلاب المحضرة في وقت السحر نائماً بل يزجرون عن النوم في هذا الوقت.
حدثني الوالد ـ حفظه الله ـ قال: كان إذا صعـب علينـا حفـظ شـيء انتظـرنـا بـه السحر فيسهله اللـه علينـا، ولا ريب أنها لحظـات مباركـة؛ لأنها وقـت النـزول الإلهـي، ووقـت الهبـات والأعطيـات(24). وساعات السحر هي لحظات الإدلاج التي أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسير إلى الله فيها كما في صحيح البخاري ـ رحمه الله ـ (واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدّلجة) وهي سير آخر الليل(25).
وذكر أهل العلم بالتفسير آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين ـ رضي الله عن الجميع ـ في انتظار يعقوب ـ عليه السلام ـ لزمان الإجابة حين قال له أبناؤه: ((يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)) [يوسف: 97] فقال: ((قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [يوسف: 98] أنه أخّرهم إلى وقت السحر(26).
وضابط وَق
السحر على الصحيح أنه قبل طلوع الفجر بساعة تقريباً على ما حققه الحافظ ـ رحمه الله ـ في الفتح.
وبعدُ.. أخي القارئ الكريم:
بهذه العوامـل والأسباب خطـف علماء الشناقطـة المتـجـولـون الأضــــــواء، وبهـذه الطرق والأساليب في الحفظ بزّوا غيرهم في العلوم التي شاركوهـم فيها، فهـل تجــد فـي هــــــذه الإجـابـــة المقتضبـة ما يشحذ همتـك ويحرك إرادتك ويكون مثالاً لك تحتذيه، ويستحثك لجعل الحـفــــظ أهم طرق العلم الشرعي؟! ذلك ما كنا نبغي، وفضل الله واسع، وكم ترك الأول للآخر ((وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ)) [المطففين: 26].
وصلى الله وسلم وبارك على النبي وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش :
(1) المحظرة: وأقرب تعريف لها: (أنها مؤسسة تعليمية بدوية متنقلة، تكون متخصصة في فن معين، وأحياناً شاملة جامعة لشتى العلوم الـشــرعـيـــة، تضم جماعة من الطلاب مختلفة أعمارهم تحيا حياة اجتماعية بسيطة، هدفها التفقه في الدين، وتحصيل التقوى والخلق الكريم، يديرها معلم في فن أو فنون يسهر على التدريـــس فيها، ورعاية هدفها حسبة، وربما ضم إلى مهام التدريس إمامة وقضاء القرية أو البلدة ويُلقب (بالمرابط)؛ ولعلها جاءت من رباط المرابطين الذين كان رباطهم النواة الأولى للمحاظر. وقد يلقب: (طالبنا) ولعلها من طالب العلم، وأصل الكلمة: (محضرة) وردت في لسان العرب، وفي كتب الأندلسيين والمغاربة، منها كتاب المعيار المعرب، ورحلة ابن جبير، وفي أبيات ابن حزم المشهورة: (مناي من الدنيا علوم أبثها). وهي تفارق من وجوه مصطلح الكُتّاب أو الخلوات أو الزاوية في بعض البلدان الإسلامية أ. هـ، بتصرف من (دور المحاظر في موريتانيا) بحث تخرج مقدم للمعهد العالي الإسلامي بنواكشوط عام 1405هـ إعداد محمد المصطفى بن الندى، ومن (بلاد شنقيط المنارة والرباط) بحث موسع مقدم للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عن المحاظر في موريتانيا للأستاذ الخليل النحوي، طبع بتونس عام 1987م، و (السلفية وأعلامها في موريتانيا) للطيب بن عمر الحسين، ص87، ط الأولى عام 1416هـ. وأبيات ابن حزم التي ذكر فيها المحاظر هي:
منـاي مـن الدنيـا علـوم أبثهـا وأنـشـــرهـا في كـــل بــادٍ وحــاضـرِ
دعـاء إلى القـرآن والسـنن الـتي تناسـى رجـال ذكرهـا في المحاضــر
ديوان ابن حزم الظاهري، 95، بتحقيق د. رشاد، ط. الأولى.
(2) ممن تشرفت بلقائهم العلامة الفقيه الأديب، الشاعر الأريب، الموسوعي معالي الشيخ محمد بن سالم بن عبد الودود، من بيت علم عريق تقلد مناصب وزارية، وعضوية بعض المجامع الفقهية في مصر والمغرب والسعودية، ومن أبرز مؤلفاته نظم كتاب مختصر خليل في أكثر من عشر آلاف بيت قدم له بمقدمة ضمنها عقيدة أهل السنة والجماعة على خلاف السائد هناك من العقائد الأشعرية والماتريدية.
(3) بتصرف: من بلاد (شنقيط المنارة والرباط) الخليل النحوي، ص 231، ط. الأولى، تونس 1987م.
(4) العلامة اللغوي والشاعر الفذ الأبي محمد محمود بن التلاميد (بالدالة المهملة)، انفرد في المشرق باللغة والأنساب، اتصل بالأوساط العلمية في الحجاز ومصر، ممن ترجم له الزركلي في الأعلام، ولمعاصره وخصمه أحمد الأمين ـ رحمه الله ـ في الوسيط ترجمة له فيها تحامل عليه.
(5) معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي)، 68، تأليف سيدي محمد بن محمد عبد الله ولد بزيد، ط. الأولى، تونس، 1996م.
(6) (موسوعة حياة موريتانيا) للمختار بن حامد ـ رحمه الله ـ، ص 5، الجزء الثاني، طبعة الدار العربية للكتاب 1990م.
(7) بلاد شنقيط، للخليل النحوي، ص 233.
(8) الغالب على علماء الشناقطة في القرآن وعلومه والفقه رواية الشعر وتذوقه وإنشاده فلو راجعت كتاب (الوسيط في تراجم أدباء شنقيط) وكتاب: (الشعر والشعراء في موريتانيا)، للدكتور محمد المختار ولد أباه؛ لوجدت معظم من تُرجم لهم من الشعراء هم علماء فقهاء.
(9) عالم وشاعر من بيت علم وأدب، أخد عن بُلاّ الشقروي، له مؤلفات منها طُرة على ألفية ابن مالك، ت1323م.
(10) بلاد شنقيط المنارة والرباط، ص 231.
(11) سيأتي الحديث عن تقسيم المحظر إلى أقفاف جمع قِف وهو اللوح والجزء من المتن بلغة المحاظر والسفر والباب من أسماء أجزاء مختصر خليل.
(12) اشتهر بالطّرة وهو شرح نثري للعلامة اللغوي ابن بونة على ألفيته المتممة لألفية ابن مالك؛ فصار الجميع 2080 ألفين وثمانين بيتاً، وشرح الجميع بهذا الشرح النثري ويعرف بطرة ابن بونة وبالجامع، انظر للتعريف بالنحو الشنقيطي ومدارسه وكتبه ورجاله ما كتبه الأستاذ محمذن ولد أحمد المحبوب في مجلة المنهل الأدبية السعودية العددان 547، 548، عام 1418هـ.
(13) ما يزيده المحشّي أو المعلق على المتن الأصلي يكتبونه باللون الأحمر تمييزاً له عن المتن فيسمونه الاحمرار.
(14) العلامة محمد الحسن بن أحمد الخديم اليعقوبي الجوادي الشنقيطي، له محظرة عريقة خرّجت كثيراً من القضاة والأدباء المعاصرين، ولا زال يدرس بها، ترجم له بعض تلامذته ترجمة موسعة في مقدمة كتابه (مرام المجتدي من شرح كفاف المبتدي) وهو شرح لنظم الكفاف في فقه المالكية لجده العلامة مولود بن أحمد الجواد ـ رحمه الله ـ.
(15) بتصرف من: شنقيط المنارة والرباط، ص 59.
(16) والبعض يجعله، 333 قفاً.
(17) بلاد شنقيط المنارة والرباط، ص 200.
(18) السلفية في موريتانيا، ط. الأولى، ص 104.
(19) معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي، وفيه كثير ممن نظم متوناً نثرية.
(20) مجلة الأمة القطرية، العدد (60)، ذي الحجة 1405هـ، ص 54.
(21) الزوايا: القبائل المختصة أو المهتمة بالعلم،
تعلماً وتعليماً، ويقابلهم حسان وهم القبائل ذات الشوكة والبأس.
(22) أي يلبس السروال.
(23) الشعر والشعراء في موريتانيا، للدكتور محمد المختار ولد أباه، تونس 1987م، ص 36-37.
(24) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ينلزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له..) وصفة النزول هنا في الحديث من الصفات الفعلية التي نقل عن السلف الإجماع على إثباتها حقيقة لله تعالى، فهو ـ سبحانه ـ ينزل لكل قوم في ثلث ليلتهم أي سدس الزمان ولا يخلو منه العرش جل شأنه وتقدست أسماؤه، فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك صفاته، كما قال جمهور السلف وقرر ذلك شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في غير ما موضع، انظر شرح حديث النزول ضمن المجموع (5 ـ 31 ـ 132، 380 ـ 396).
(25) أورد الإمام ابن الأثير – رحمه الله – في النهاية (2/129) قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه شاهداً على أن الإدلاج يكون في السحر. اصبر على السير والإدلاج في السحر وفي الـرواح على الحاجـات والبكـر
(26) الدر المنثور (4/584) وتفسير الماوردي (3/79 محمود بن محمد المختار الشنقيطي). البيان

Advertisements

الخيار الحقيقي في العراق

الخيار الحقيقي في العراق

 

الانحطاط المنمق للإدارة الأمريكية يفصح عن نفسه. لحد الآن، مع بعض الحظ ومع عملية صنع قرار أكثر انفتاحا في البيت الأبيض، وبتنامي الجرأة السياسية من جانب الزعماء الديمقراطيين، وحتى بتشجيع من القادة العراقيين الموثوقين، فان الحرب الأمريكية في العراق يمكن (وينبغي لها) أن تنتهي في غضون عام واحد. "النصر او الهزيمة" هو في الواقع خيار استراتيجي خاطئ. فباستخدام مثل هذه الصياغة، يحمل الرئيس بوش الشعب الأمريكي على الاعتقاد بان هناك الخيارات هي إما "البقاء والنصر" أو "الانسحاب والخسارة". ولكن الخيار الحقيقي العملي هو: "الإصرار دون تحقيق النصر" أو "الكف دون الوقوع في الهزيمة".
يبدو أن النصر، كما يعرف من قبل الإدارة ومناصروها (تحقيق ديمقراطية مستقرة وعلمانية في دولة عراقية موحدة، وسحق التمرد من قبل الجيش الأمريكي بمعونة الجيش الوطني العراقي المنضبط والذي دربته القوات الأمريكية)، قد أصبح مشكوكا فيه. فلتحقيق ذلك، لابد من أن يكون الجيش الأمريكي اكبر من الحالي بشكل ملحوظ، وان تكون القوات العراقية الساندة لجهود مقارعة التمرد بقيادة الولايات المتحدة متحمسة أكثر. إن القوات الأمريكية الحالية، والتي سرعان ما سيخفض عددها، غير كافية لسحق التمرد المناوئ للولايات المتحدة أو لإيقاف النزاع الطائفي السني-الشيعي. وكلتا المشكلتين ترشحان باستمرار تحت وطأة الاحتلال الأجنبي غير الحاسم والذي يتعاظم بغضه.
علاوة على ذلك، لا يبدو أن الشيعة أو الأكراد يركزون اهتمامهم على توحيد العراق بوجود جيش وطني أصيل واحد. وفي الوقت الذي ظهرت فيه المساومات لتشكيل الحكومة الجديدة، فان القوتان الرئيستان في العراق، التحالف الديني الشيعي والانفصاليون الأكراد، يتقاسمون هدفا مشتركا يتمثل في منع عودة هيمنة السنة، وقد عزم كلاهما على الاحتفاظ بقوة عسكرية منفصلة للدفاع عن مصالحها الخاصة، بشكل اكبر على حساب السنة. إن جيشا وطنيا حقيقا بهذه الكيفية هو مجرد وهم. إن الاستمرار في الإصرار على تحقيق "النصر" بهذا النمط يحكم على أمريكا بدفع الثمن مزيدا من الأنفس والأموال، ناهيك عن ازدياد المعارضة الإسلامية والتآكل الشديد في الشرعية الدولية لأمريكا ومصداقيتها وسمعتها الأخلاقية.
كما إن تعريف الإدارة لـ"الهزيمة" مضلل بشكل مشابه. فالمتحدثون الرسميون وغير الرسميين يتكلمون المرة تلو الأخرى مسترجعين التنبؤات الماضية والتي تخص العواقب المحتملة للفشل الأمريكي في تحقيق النصر بفيتنام: تساقط قطع الدومينو، انفجار المنطقة، وفقدان مصداقية القوة الأمريكية. وتم إضافة لمسة تتمثل بمبدأ أن المتمردين العراقيين سوف يعبرون الأطلسي لإثارة الإرهاب في عقر الوطن الأمريكي.
إن الخيار الحقيقي الذي تجب مواجهته هو القبول بالحقائق العراقية المعقدة في فترة ما بعد صدام حسين من خلال فك اشتباك نسبي للجيش، وهذا يتضمن فترة انتقالية وتمهيدية بالرغم من النزاع السياسي المكثف، لحين جلاء الغبار وإعداد الفئات العراقية لترتيباتها السياسية الخاصة. يمكن أن يستمر الاحتلال العسكري غير الحاسم لسنوات قبل أن يتم تحقيق الهدف غير المحدد. واقل ما يقال أن من المشكوك استمرار مساندة السياسيين الأمريكيين المحليين في جهود لا طائل منها لمدة طويلة تحت شعار كون العراق هو "الجبهة الأمامية في الحرب على الإرهاب".
وعلى النقيض، فان فك اشتباك الجيش بحلول ناهية عام 2006، المتأتي عن تحديد أكثر واقعية للنتائج الملائمة، يمكن أن تؤكد أن الكف ليس مكافئا للهزيمة. في العراق الذي يهيمن عليه الشيعة والأكراد –الذين يشكلون معا ما يقارب 75% من السكان- فان كلا الشعبين سوف يتشاطران المصلحة الوطنية المشتركة المتمثلة بالعراق كدولة مستقلة. فالأكراد الذين حصلوا على الحكم الذاتي بما يشبه الاستقلال، سوف يكونون -بخلاف ذلك- مهددين من قبل الأتراك. كما إن الشيعة العراقيين هم عرب قبل كل شيء وليس لديهم أية رغبة في أن يكونوا تابعين لإيران. بعض السنة، حالما يدركون أن الاحتلال الأمريكي يقترب من نهايته وأنهم سوف يواجهون التحالف الشيعي-الكردي الغامر، سوف يكونون أكثر ميلا لتقبل الحقائق السياسية الجديدة، خصوصا عندما يحرمون من التباكي على المقاومة للمحتل الأجنبي.
بالإضافة إلى ذلك، فمن المرجح أن تتحصن كل من مناطق الكويت وكردستان بتواجد أمريكي دائمي تحسبا لأي طارئ مفاجئ. وحالما تنهي الولايات المتحدة الاحتلال العسكري، يصبح من السهل إعداد خطة لمشاركة قوات إسلامية -بشكل ما- في قوات حفظ السلام في العراق، ويمكن أن تساعد هذه المشاركة في تهدئة مشاعر العداء لأمريكا في المنطقة.
على كل حال، بينما يشتد التنافس بين السياسيين العراقيين، فمن شبه المؤكد أن القادة السياسيين العراقيين الأصليين (غير المنتقين من قبل الولايات المتحدة) -تحقيقا لشرعية توليهم السلطة- سوف يطالبون بموعد حاسم لانسحاب القوات الأمريكية، وذلك كله يسير باتجاه حسن. في الواقع يجب أن يتم تشجيعهم بهدوء لفعل ذلك، لان ذلك سوف يزيد من مساندتهم الشعبية، بينما يسمح للولايات المتحدة أن تعيد تعريف مصطلح "أنجزت المهمة" بشكل مقتصد.
الخطوة الأساسية الأولى للوصول إلى هذه الغاية أن يخرج الرئيس من شرنقته الحالية. إن رسم سياسته وخطبه هي نتاج مجموعة الدعاة الصادقين المحيطين به، والذين يعتبرون مسؤولين بشكل كبير عن الفوضى في العراق. فهم لديهم حدا خاصا في تعريفهم للنصر، وهم يعززون قناعا
ه بدلا من تنقيح أحكامه. إن الرئيس هو بأمسّ الحاجة لتوسيع دائرة مستشاريه. لماذا لا يعمد إلى استشارة الديمقراطيين والجمهوريين الإجلاء والذين لا يجرون وراء المناصب، ولنقل وارن رودمان أو كولن باول أو لي هاميلتون أو جورج ميتشل، بشأن النتيجة المحتملة والتي يمكن إحرازها في العراق؟
وأخير، يجب على الديمقراطيين الكف عن المراوغة عند توجيه النقد. إن هؤلاء الذين يرومون تولي السلطة عام 2008 هم بالتحديد غير راغبين في التصريح بوضوح أن إنهاء الحرب فورا هو أمر مرغوب فيه وذو جدوى. فهم يخشون أن يوصموا بأنهم غير وطنيين. ومع ذلك فان إيجاد بديل عملي سوف يوفر بينة سياسية فعالة لأولئك الغافلين الذين ينشدون "نصرا" غير ممكن التحقيق. إن الأمريكيين بحاجة إلى إيجاد خيار حقيقي فيما يخص البلوى المأساوية في العراق

عالم فقد انسانيته

عالم فقد إنسانيته


تفتق جبروت الاستعلاء والعنف لزعماء آل صهيون والبيت الأسود، فكرسوا أسلحتهم المتطورة للاعتداء على حقوق البشر، ولم يكتفوا الفتك بالأبرياء العزّل، بل وما تزال أدواتهم الأفضل تتمثّل بالقتل في بكل بلد يحلون بها وبالاً وكارثة، وعقاباً جماعياً.

حاصروا ثم سمموا الرئيس ياسر عرفات، وبالأداة ذاتها عاقبوا الشعب الفلسطيني، وللأسباب نفسها يرفضون الاعتراف بحق العودة والقدس، ولم تتوقف شرورههم، وضمروا نواياهم الدنيئة بالنيل من عرفات ومن شعب شُرّد واُحتلت أرضه من عصابات همجية لا تعترف بحقوق الغير.

وقد اغتالوا الرئيس رفيق الحريري وأحرقوا الأرض تحته تخلصاً منه، لأنه قبل بمشروع الانسحاب السوري "وهذا مطلب لهم" لكنه رفض تجريد حزب الله من السلاح، قتلوه.. ولكن من جاء بعده وورثه خنع واستسلم، وتسبب في معاقبة الشعب اللبناني عقاباً جماعياً بسياسة الأرض المحروقة وبأداة الجريمة نفسها.

وليس أخيراً فالجريمة لن تتوقف، والمجرم لن يكف عن ممارسة هواية القتل، قاموا بتنفيذ حكم الإعدام بآخر رئيس شرعي للعراق صدام حسين، وأعدموا العراق الموحد ببث السم الطائفي المستورد،الذي لم يخفي الحقد رغم السنوات الطويلة من تحقيق الانتصار، وحماية بوابة المشرق العربي. وقف آخر الزعماء العروبيين شامخاً حتى اللحظة الأخيرة يرفض الالتماس من محكمة الذل والخنوع، رغم علمه قبل بدء الفصول الهزلية لمحكمة خرقاء بما ستنتهي إليه، ويكفيه فخراً أن المأجورين القتلة يشهدون رباطة جأشه حتى الرمق الأخير، والكل يشهد أن ما بُني على باطل فهو باطل. فماذا يمكن أن يحقق لهم إعدامه سوى رسالة إهانة لشعوب الوطن العربي في مواسم الفرح، لتنقلب إلى مواسم حداد وأحزان، وفضيحة تكشف خنوع حكومة الاحتلال، بأن لا سيادة ولا دستور عراقي، ولا مصالحة في ظل استباحة العراق؟.

وبرغم تهمة الديكتاتورية التي رموه بها، والتي تمارسها حكومة الشقاق والنفاق الآن بأبشع صورة، إلا أنه لم يسقط في مستنقع الخيانة، وبقي وفياً لأمته، حاملاً هم الشعب الفلسطيني والعراقي على حد سواء، كقائد يحمل مسؤولياته الوطنية والقومية، وليس كالجبناء الذين تحركهم قوى الاحتلال كالدمى.

تلك هي لغة الكره والحقد يوثقونها وبرعاية الشرعية الدولية، ليسطوا على أوطان وحقوق الغير.
تلك هي سنّة آل صهيون، وهذا هو منطق شريعة الغاب، أفرحت وأثلجت صدور الجاهليين الذين هللوا له ورفعوا صوره وراياته عندما انتصر على إيران، ثم انقلبوا عليه بالغدر والثأر من قوة عربية.

لهذا نكرهكم أيها الغاصبون الأمريكيون والصهاينة، لأنكم ضعفاء عبيد الدولار والنفط، ولأن شعوبكم تحمل جينات القتلة المجرمين الذين احتلوا القارة المكتشفة وتطهروها من سكانها الأصليين بالقضاء عليهم، ليقيموا إمبراطورية الخبث والخبائث، وجنودكم اغتصبوا نساءنا وأسروا أطفالنا وشيوخنا، فكلكم عملة قذرة واحدة.

وكذلك الصهاينة الذين فقدوا صوابهم نتيجة الهزيمة التي أُلحقت بجيشهم في الجنوب اللبناني والجنوب الفلسطيني رغم استخدامهم الأسلحة المحرمة، ولم تقف شهوة القتل عند حد وسقف.

إن كان هناك حاجة إلى محكمة عدل دولية كما يقولون ويطالبون، فالأولى أن يقدموا للمحاكمة قرنا الشيطان الصهيوني أولمرت والجزار بوش، المسؤولين المباشرين عن القتل والتدمير وانتهاك مشاعر وشعائر وأراضي العرب والمسلمين كي تدين جرائمهم ضد الإنسانية واحتلالهم حقوق الغير والتنكيل بالبشر، الأمر الذي لا يقره شرع دنيوي ولا دين سماوي.

فهل من أجل رفاهية شعوبهم يقترفون القتل المتعمد بدم بارد ويمارسون الظلم على الشعوب الأخرى، أم أن هذا الذي يجري ينتمي إلى مدنيّة رعاة البقر، حاملين العرق الدساس من جينات مجرمي أوربا.

الملايين يكرهونكم أيها القتلة، وأنتم من زرعتم بفعالكم بذور الحقد فينا، وأنتم من جعلتم الصراع قائماً دون توقف حتى النهاية ولا أنصاف حلول، وأنتم أصل العنف ورعاته، وأنتم مؤسسي الحقد وأنتم بناته، وسيأتي يوم تشربون من ذات الكأس المرّة.

نحن على يقين بأننا سننتصر لأننا أصحاب حق وأصحاب قضية شريفة ولا نطمع بخيرات الغير، ولا نلغي هوية وثقافات الشعوب، ونحن على يقين بأنكم ستقفون ذات يوم في قفص الحساب، وسنحاسبكم على كل الجرائم التي ارتكبتموها بحق الشعوب الآمنة، وبحق الإنسانية البريئة منكم، وللعدالة الآلهية بشارون القاتل عبرة لكل من تظلم وتجبّر. فهل يمكن أن تلد الفوضى غير الدمار والعداء والكراهية؟.

وضع مخجل……………………..

سبعة وعشرون قتيلا سقطوا حتي الآن في الاشتباكات الدموية المندلعة منذ عشرة ايام في قطاع غزة بين ميليشيات حركتي حماس و فتح ، ولا يلوح اي امل في الأفق بان عمليات القتل والتخريب والدمار وقطع الطرق ستتوقف في المستقبل القريب.

لم يخطر في بالنا في اي يوم من الايام ان يلجأ هذا الفصيل او ذاك الي خطف مجموعة من الصبيان تحت تهديد السلاح، ولم نتصور مطلقا ان تتحول اسطح المباني والعمارات الي ثكنات عسكرية لتبادل اطلاق النار بين المتقاتلين، وبما يؤدي الي ارهاب الاطفال والمواطنين الابرياء.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس منشغل في عناقه لشمعون بيريس نائب رئيس الوزراء والسيدة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية في دافوس، ويتحدث عن استعداده للانخراط فوريا في مفاوضات الحل النهائي، ولكنه لم يكلف نفسه بقطع مشاركته في منتدي دافوس الاقتصادي في سويسرا والعودة الي قطاع غزة فورا للتفاوض مع ابناء جلدته لحقن الدماء، وايجاد مخرج من هذا الوضع المأسوي الذي يعيشه الفلسطينيون حاليا.

لا نفهم هذا الصراع الدموي واسبابه غير انه صراع علي سلطة وهمية، وحقائب في وزارة فاقدة السيادة لا تستحق قطرة دم فلسطينية واحدة من اجل الاستحواذ بها. ولكن هناك من الفلسطينيين في المعسكرين المتصارعين لا يرون الاشياء مثلما يراها غالبية ابناء الشعب الفلسطيني.

يؤكدون ليل نهار علي الحوار الوطني، ويشددون علي ان الدم الفلسطيني محرم، ولكن ما نراه علي الارض هو عكس ذلك تماما، فالذين يتحدثون عن الوحدة الوطنية هم الذين ينسفون اسس قيامها، والذين يشددون علي حرمة الدم الفلسطيني هم اول من يسفكونه او يحرضون علي سفكه.

هذا الوضع الفلسطيني المخجل والمزري لم نر له مثيلا قبل الانتخابات التشريعية الاخيرة. فقد كانت الامور واضحة كليا، السلطة سلطة، والمعارضة معارضة، والاحتلال الاسرائيلي هو الهدف الذي يتحول الجميع الي جبهة واحدة لمقاومته. وجاء الصراع علي السلطة والحقائب الوزارية والامتيازات ليقلب الاوضاع رأسا علي عقب، ولتصبح مقاومة الاحتلال في ذيل اجندات الحيتان المتصارعة. حركة حماس تتصرف كمعارضة وهي في الحكومة، وحركة فتح تتصرف كحكومة وهي في المعارضة، ويذهب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ضحية اساسية لهذا الخلل الاساسي وغير المسبوق.

نعترف ان هناك محاولة للانقلاب علي الديمقراطية من قبل حفنة فلسطينية، ترتبط بمخطط الهيمنة الامريكية علي المنطقة، وتخطط لضم فلسطين، او بالأحري ما يسمي بسلطتها الوطنية، الي محور المعتدلين الذي تعمل علي اقامته السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية، ولكن هذا لا يعني ان تنجر حركة حماس الي المصيدة، وتتخلي عن سياسة ضبط النفس التي تمسكت بها طوال الاعوام الماضية رغم الاستفزازات الكبيرة وغير المسبوقة، وهي السياسة التي كانت من ابرز اسباب فوزها في الانتخابات التشريعية الاخيرة.

السيد سعيد صيام وزير الداخلية الفلسطيني كان صادقا عندما رد علي المدعي العام بقوله ان وزير الداخلية مسؤول لو كان يسيطر فعلا علي جميع الاجهزة الامنية، ولكنه ليس كذلك. فالحكومة الفلسطينية المنتخبة تسلمت خزينة فارغة، وعجزا يزيد عن مليار ونصف المليار دولار، واجهزة امنية تتبع رئيس السلطة مباشرة وتأتمر بأمره، ووزارة اعلام لا يستطيع وزيرها تعيين موظف في جهازي الاذاعة والتلفزيون ناهيك عن رسم السياسة الاعلامية، ومتابعة تنفيذها.

نعرف كل ذلك، مثلما نعرف ما هو اكثر منه، ولكن هذا لا يعني تصعيد الانفلات الأمني، والانجرار بحسن نية الي دوامة الحرب الاهلية التي يريدها بعض المرتبطين بالاجهزة الاستخباراتية الامريكية والاسرائيلية والاقليمية.

قلناها في الماضي، ونكررها هنا، بان حركة حماس اخطأت عندما دخلت الانتخابات الاخيرة، وانخدعت بتجربة ديمقراطية زائفة، واعتقدت انها تستطيع ممارسة الحكم تحت سنابك خيل الاحتلال. فالرئيس بوش اراد ديمقراطية تأتي بمن يؤيدون مشروع الهيمنة الامريكي، ويتعانقون مع المسؤولين الاسرائيليين، وينخرطون في الحرب الامريكية ضد الارهاب، الذي هو اسلامي ووطني حسب تعريفه وتوصيفه. يريدون سلطة فلسطينية تتعاون مع الاحتلال، وتتنازل عن الثوابت الفلسطينية، وتقبل ببيع القدس، والتنازل عن حق العودة، ولا تعارض بناء كنيس يهودي في باحة المسجد الاقصي المبارك.

نحن الآن امام معضلة جديدة، تتعمق اسبابها، وتزداد تعقيداتها. فكل نقطة دم تسفك تعني زيادة الاحقاد والثارات، وتصعيب العودة الي الحكمة والتعقل، وتعقيد مهمة الوسطاء والوساطات، واتساع الشرخ بين ابناء القضية الواحدة والهدف المشترك.

حذرنا دائما من الانجرار خلف الثارات والاستفزازات المتبادلة، وطالبنا دائما بالتحلي بأعلي درجات ضبط النفس، وضربنا مثلا بحزب الله ورجاله في جنوب لبنان اثناء الصمود الكبير في وجه العدوان الاسرائيلي، لاننا نعرف، وبحكم الخبرة، ان الاجواء الحالية المفعمة بالتوتر والحقن الفصائلي، هي البيئة الاخصب للعملاء والمندسين، لكي يفجروا هنا وهناك، ويقتلوا من هذه الجهة او تلك، لإغراق الجميع في اتون الحرب الاهلية.

ومن المؤسف انه لا توجد قوة ثالثة يلتف حولها الشعب، وتشكل البديل، وتضع حدا لهذا النزيف، او تتوسط لوقفه، لان الشعب الفلسطيني، مثل كل الشعوب العربية، يعاني، وللأسف الشديد من حالة استقطاب غير مسبوقة بين فصيلين كبيرين مدججين بالاسلحة، ومدعومين بآلاف الانصار والمجندين.

الحروب الاهلية باتت هي الآفة التي زرعها الامريكان في المنطقة، تحت ذريعة الديمقراطية، فنحن نعيش واحدة في العراق، واخري في لبنان، وثالثة في فلسطين، ورابعة في دارفور، وخامسة في الصومال، ويعلم الله اين تكون السادسة والسابعة والثامنة والعاشرة.

الشعب الفلسطيني يجب ان يتحرك، وان ينزل الي الشارع، ليسمع صوته ضد هؤلاء المتحاربين الذين تغافلوا عن العدو الحقيقي، وهو الاحتلال الذي ما زال جاثما علي صدره، يبني المستوطنات ويقتل الشرفاء، ويعتقل عشرات الآلاف من الأسري في سجونه.

بقي ان اقول انني اعتز بفلسطينيتي وأفتخر، اعتز بكل بطولات الشهداء، والأسري، اعتز بصمود الملايين تحت الاحتلال وتحملهم الجوع والارهاب والاضطهاد وممارسات سلطة فاشلة عاجزة، وما اخجل منه هو ما يجري حاليا علي الارض، ويشاركني في خجلي الملايين من ابناء هذا الشعب.

النقد الذاتي ليس جريمة، ويجب ان نمارسه نحن كفلسطينيين قبل الجميع، فلسنا من نسل الملائكة، ونرتكب اخطاء وخطايا، والعيب هو الصمت والتستر عليها ودفن الرؤوس في الرمال.

لا نري عيبا في تجديد المطالبة في حل هذه السلطة التي اوقعنا الصراع عليها في كل هذه الموبقات، ولا نبالغ اذا قلنا ان هذه الخطوة، وفي هذا الوقت بالذات هي اروع فصول المقاومة، ولتعد الأوضاع الي المربع الاول، اي احتلال ومقاومة، وساعتئذ لن تكون تلك المواجهات المخجلة والمخزية التي نراها حاليا في شوارع الوطن المحتل، وتنسف الكثير من انجازات هذا الشعب المشرفة. وضع مخجل                     

الا نتخابات الموريتانية……..تجربة خارج السباق الاقلمي

من بين موجة الانتخابات اللافتة والمثيرة للدهشة والتأمل في أميركا اللاتينية وأفريقيا، والعالم العربي نفسه في الفترة الأخيرة، يظل ما يحدث في موريتانيا من أكثرها إثارة. ففيها لا يتوفر التاريخ الشعبوي الذي يتحرك بوطنية عارمة كما في أميركا اللاتينية، ولا تاريخ العنف الطامح لقدر من الاستقرار في أفريقيا، وإنما هو تراث الشمولية العربية والمنتج الصراعي الذي لا ينفد على ساحتنا، سياسياً وطائفياً واجتماعياً.

ومع ذلك يظل ما يحدث في موريتانيا موضع تأمل العرب والأفارقة على السواء. فالنخب الحاكمة العربية قد يقلقها انسحاب العسكر الذي تمثله التجربة الموريتانية في الانتخابات الأخيرة على الأقل -وهم صلب الأمان في معظم النظم القائمة لحماية الاستبداد العربي المتأصل- حيث امتنع جميع أعضاء "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية" الذي جاء للسلطة في موريتانيا بانقلاب أغسطس 2005 عن المشاركة في العملية السياسية القائمة كأشخاص أو كتنظيم، كما أنهم بوجه عام صدقوا ما وعدوا به بالإقدام على خطوة الانتخابات حسنة السمعة في وقتها وبتأكيدات حتى الآن ألا يتقدم أحدهم لانتخابات الرئاسة في ربيع 2007. وهذه ظواهر غير متكررة إلا في تجربة عربية أفريقية خاصة -هي السودان 64- 1985. والنخب الحاكمة الأفريقية -بدورها- تخشى التغيير بهذه السلاسة بخطوات تتجاوز -في دستور واضح وقابل للاستمرار- التغيرات الجهوية أو الطائفية والعرقية، بعد أن كانت موريتانيا رمزاً لحكم الأعراق العربية المستبدة بأحوال الزنج و"الحراطين" في المناطق الخصبة في حوض السنغال، في معارك كانت شبيهه بما يجري في عدة بلدان بالصحراء الكبرى، فضلاً عن تجسدها في مغارب السودان وجنوبه. وحتى التيارات الإسلامية التقليدية تبدو متفهِّمة لأهمية ما قد يثيره النموذج الموريتاني الحالي من سوابق أمام فرصهم المستقبلية، فلم يلجأوا، في هذه الظروف؛ بقوى "الصواب" أو قوى "السلفية" المعروفة في الساحة، إلى موجات من استعراضات القوة على نحو ما حدث في الجزائر أو يحدث في المغرب، وهي مناطق مجاورة ومؤثرة في الساحة الموريتانية نفسها. وتكشف تصريحات جميل ولد منصور منسق الحركة الإسلامية عن روح الطمأنة هذه بشكل أو آخر. وحتى الآن، فإن النتائج المعلنة لجولة الانتخابات في نوفمبر 2006 لا تكشف كل الأوراق، فمازال بين الدوائر الخمسة والتسعين أكثر من 50% لم تعلن نتائجها، لكن المألوف أن تكشف نتائج العواصم والحضر عموماً عن طبيعة المكاسب والخسائر، بصرف النظر عن غلبة الريف أو المناطق القبلية والرعوية. وهنا يوفر ما أعلن في نواكشوط ونواذيبو ومناطق الترارزة أو فيما عرف من مناطق الجنوب غرباً أو شرقاً أو من الشمال، ما يشير إلى بعض الملاحظات المهمة في الخريطة السياسية الموريتانية:
* فثمة كتلة المعارضة الاحتجاجية التقليدية في مختلف هذه المناطق ويمثلها "تكتل القوى الديمقراطية" الواسع القاعدة شعبوياً منذ معارضته للرئيس السابق، بقيادة "أحمد ولد داداه" محصناً بالتأريخ السياسي القديم وبخبرته كاقتصادي، وبكده في التصدي لحكم "معاوية ولد الطايع" السابق على الانقلاب، ومع ذلك فإنه يبدو متوقفاً عند نسبة الثلث التي كان يحصل عليها حتى ولد الطايع، ممثلة الطبقة الوسطى والبيروقراطية وعناصر مناطق التوتر في الجنوب الغربي قرب السنغال.
* لكن ثمة قوى جديدة لم يتحْ لها الظهور على الساحة الرسمية التشريعية من قبل سواء لتمثيلها ألوان الطيف الشعبية المتواضعة أو بعض ألوان الجلد السوداء، ممن أصبحوا يشكلون "الخلطة" الواسعة شعبياً، والتي تعاني آثار السياسات الاقتصادية "التكيفية" الفاشلة عموماً، ويمثلهم بدرجة أو بأخرى "التحالف الشعبي التقدمي" بقيادة "مسعود بلخير" الذي لا يقدم في نفس الوقت برنامجاً جذرياً بقدر دفعه لقواعد شعبية منسقة نسبياً إلى ساحة المطالب الاقتصادية العادلة. ولذا تعلن النتائج الأولية عن حضور جزئي أيضاً لهذا التحالف.
أما القوى التي حجبت عنها النظم الموريتانية المتوالية أضواء المشاركة والشرعية، فهي التي يمثل حضورها الآن جوهر شرعية ومصداقية التوجه الجديد في الحياة الموريتانية، بما يصعب توقعه، فهي تحت أسماء "القوى الديمقراطية" وتحالف "العدل والديمقراطية"، أو "الوحدة والتغيير" أو "الحرية والمساواة". وتجمع هذه القوى شتات المطالب الزنجية (الاجتماعية) من ناحية، تقابلها قوى "بعثية" و"ناصرية" عروبية، بل وأصوليون إسلاميون ممن استبد بهم "ولد الطايع" لفترة طويلة مما سيجعلهم "قوة تصارع" مقلقة للأوضاع "الليبرالية" التقليدية القادمة في غياب حركة تغيير شاملة وسط المجتمع السياسي "الموريتاني الجديد". بل وقد يقلل ذلك من مساهمتها الفعلية حتى في تحالف "شعبوي" جديد بدلاً من الحلف "الديمقراطي" التقليدي بقيادة أحمد ولد داداه، الذي لا يحمل مثل هذا البرنامج التغييري، وهو ابن التحديثية الفرنسية، بل والدوائر المالية العالمية.
* وبين هذه القوى المؤسسة في التاريخ الموريتاني القريب، يزحف من يسمون بـ"المستقلين" ليشقوا هذه التحالفات المتوقعة للحكم القادم بإتمام الانتخابات في الثالث من ديسمبر 2006. ورغم أن "المستقلين" هي كلمة السر لدفع بعض القوى الإسلامية في بعض النظم التي تحكم قبضتها على الحكم، فإنها في موريتانيا، تصبح قناة لعناصر أخرى يفرضها المو
ف، وهي عناصر الحكم السابق وحزبها "الجمهوري" الذي يجد صعوبة في كشف أوراقه، عبر العسكر المتنفذين، أو البيروقراطية الموالية، ممن سيكون لهم وزن بالضرورة في أية تشكيلية للحكم القادم إزاء حرص المجلس الحاكم حالياً على تقديم بعض رسائل الأمان للعسكرتارية التقليدية، التي تخشى زحف السياسيين الجدد، وللرأسماليين الفاسدين الذين بات ظهورهم يدفع الشارع للتعبير عن إحباطه من احتمالات التغيير الفعلي أو الاطمئنان لخطوات الرئيس؛ مدير الأمن الوطني السابق، العقيد اعلى ولد محمد فال، بل ويدفع البعض إلى اتهامه أو رفاقه بدعم عدد من المستقلين ليشكلوا أداة لاستمرار أوضاع سابقة ولطمأنة مختلف قوى الداخل والخارج بأن لـ"الديمقراطية حدوداً" أمام "بيزنس" الثروة السمكية الهائلة، وشراء الأراضي في حوض السنغال، بما يجعلهم بالمرصاد لكل نزوع متجذر عروبياً أو إسلامياً أو حتى طائفياً حيث تسمى "المطالب الاجتماعية" نفسها في موريتانيا طائفية أو عرقية، وحيث يتكرر صراع العروبة والأفريقية مثلما هو الحال في دارفور على نفس الأساس الثقافي والاقتصادي.
ولو أن الخريطة محلية الطابع على هذا النحو، لهان أمرها، ولتركنا تأملها للمستقبل القريب، حيث تأتي التفاعلات بما تفرزه طبيعة مثل هذا المجتمع الذي يضم عرباً وأفارقة، بداوة وزراعة، أسماكاً وحديداً وذهباً، وكلها بقدر من الجدية المؤثرة، وتأتي فوق ذلك ثروة بترولية تدفقت فجأة منذ أوائل العام (بعد اضطرابات محيطة ببترول الشرق الأوسط)! تدفع بموريتانيا إلى منزلة متقدمة بين البتروليين في بضعة أعوام ومن الآن! وهي أمور دفعت مبكراً إلى تساؤلات حول "انقلاب القصر" الذي تم العام الماضي، وحول التطور السلمي الذي يأمل الجميع تحقيقه، بل وحول علاقات موريتانيا الأمنية؛ الدولية والإقليمية! لاشك أن النضال الديمقراطي للشعب الموريتاني جدير أن يقف وحده إلى حد كبير لتفسير التفاعلات التي تجري على أرضه، ولكننا في زمن العولمة الطاغية لا نستطيع أن نتوقع بهذا القدر من التسامح مع تفاعلات كافة العوامل والقوانين، أو نتجاهل بأية عاطفية تلك العوامل المتحركة من حول شعب تحيط به ظروف ضاغطة نشهد مآسيها ممتدة من دارفور، لتشمل كل الصحراء الأفريقية الغربية حتى تصل موريتانيا بالتأكيد.

نقلا عن موقع وجهات نظر

هل يصح………………

التاريخ العربي المليء بالانجازات و الامجاد يحق لنا ان نفتخر بها   و لاكن لكل امة كبوة والظاهر اننا في زمن كبوة على العموم دائما نسمع كلمة التامرضد العرب وفكرة المؤامرة فيا تري مامدي صحتها ……وهل يصح ان نعلق كل اخطائنا عليها ان   كانت موجدة   وهل التغني بها مجدي   المؤامرة موجودة بالطبع   لان الحضارة العربية هي الحضارة المحسودة من جميع الحضارات   لانها شملت كل نواحي الحياة وحققت  افضل الانجازات وكسرت كل الحضارات وتفوقت عليها والحاسد الاول هم الاوربيين  لانهم في نفسهم لا يحبون العرب مهما حاول العرب  ان يتقربو ا منهم لن يقبلوهم لحقدهم عبر الازمان فالعرب  هم من كسر شوكت الاوربيين بالاسلام   ولامن لايجب علينا ان نتركهم يتامرون علينا  فيجب ان نقوم من سباتنا  فنحن بامكننا التقدم في اي ظرف    فقد ترك لنا اجدادنا مايكفي من العبر       

الديمقراطية الى اين………………….

ما ان جاء المجلس العسكري واتي بفرحة سقوط معاوية  بدء الشعب الموريتاني يمني النفس بالدمقراطية وان يكون له حق التعبير واشراكه في القرارات  الى ان هناك تخوفات بررتها الاشعات التالية عن سناريو الانتخابات الرئاسية مارس 2007 وتقول الشائعة التي ياكدها البعض  ان المجلس العسكري قد اختار رئس موريتانيا القادم  وهو ولد الشيخ عبد الله  المجهول من قبل الموريتانيين  وكل الدلا ئل تشير الى السناريو المشاع ففي هده الاونة نلاحظ ان كثيرا من المرشحين قد  عدلو عن الفكرة خوفا من ان يكونو كومبارس في المسلسل الديمقراطي في حين ان البطل اصبح معروف فان صحت الشائعة قد لاتنتهي موجة الانقلابات ولاياتي الاستقرار المنشود فطالما حلم الموريتانيين بواقع مستقر تعلو فيه كلمة المواطن وواقع ديمقراطي وان قتل  الحلم بفرض رئيس عليهم لن يسكتو وسيستمرون في النضال حتي تحقيق المطلب اجلا ام عاجلا وعلى كل الكل ينتظر مارس وماسيسفر عنه والسؤال المطروح هل ستنتصر الدمقراطية ام سترجع الفوضى