المنظومة

المنظومة..
مشكلة رحلتنا نحو حضارة القرن الحادى والعشرين، هى أنه ليست لدينا منظومة واضحة، تحدِّد ما ينبغى أن نكتسبه أو نصبح عليه، خلال السنوات العشر القادمة.. كبداية..
فحتى عندما نطمح إلى التطوّر، نعمل بصورة عشوائية غير منتظمة، ونتخبط فى بعضنا البعض، وتتداخل أهدافنا، وقيمنا، وطموحاتنا.. بل ومنظوماتنا أيضاً..
والطريق إلى الحضارة لا يمكن أن يبدأ، إلا لو وضعنا نصب أعيننا منظومة واضحة، وخريطة مفصلة، وقيم بعينها، لابد وأن نكتسبها، ونكسبها للأجيال الجديدة منا، على أمل أن يكون هذا نواة لحاقنا بالعصر الحديث، واستعادة ما كنا عليه يوماً، كخير أمة أخرجت للناس..
البعض ينظر إلى الأمور ببساطة، فيشير إلى أننا لو أمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، سنصح خير أمة أخرجت للناس، وهذا قول حق يراد به باطل..
فصحيح أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هما الأساس، ولكن حتى السعى إليهما يحتاج إلى قيم واضحة، تنير الطريق، وتجعلنا على يقين من المعروف، الذى نأمر به، والمنكر الذى ننهى عنه، خاصة وأن الأمر ينقسم بين محكمات، لن نبذل جهداً كبيراً، للاتفاق عليها وفهمها، ومتشابهات كانت وما زالت ترهقنا وتبث فينا بذور الشقاق والخلاف..
البداية إذن لابد وأن تكون عبر استرجاع وبناء قيم أساسية، تقوم عليها أية حضارة..
قيم دينية، وثقافية، واقتصادية، واجتماعية، وعلمية، وحتى رياضية..
قيم تهزم عصبيتنا، وتعنتاتنا، وتبث فى عقولنا فكراً جديداً، شديد الإيمان – عن علم – بكل قيمه، شديد الوثوق فى دينه ومبادئه، شديد القوة فى التمسك بهما والدفاع عنهما..
واستعراض تلك القيم يضعنا دوماً أمام معادلة صعبة، بل شديدة الصعوبة والتعقيد..
فبأى منها نبدأ..
أية قيمة ينبغى أن تبنى عليها باقى القيم..
وهل ينبغى أن نعمل عليها كلها فى آن واحد، أم أنه هناك ترتيب جيد، يحدِّد البداية والنهاية، والسبل التى ينبغى اتباعها، لاكتساب تلك القيم كلها؟!..
أسئلة عديدة، سينهمك معظمنا فيها، وسنخوض عشرات النقاشات والخلافات حولها، حتى ننسى مع الوقت الهدف الأساسى منها، وأنها كانت بداية طريق الحضارة..
دعونا نتفق إذن على أن الترتيب هنا غير هام..
فليبدأ كل منا بما يستطيعه..
وبما يناسبه..
التاجر منا مثلاً، عليه أن يبدأ بالتمسك بالقيم الاقتصادية والمالية، فلا يغش فى السلع، ولا يسرق فى الميزان، ولا يستغل حاجة الناس إلى ما يبيع، ولا يسعى لثراء فاحش، على حساب الفقراء والمساكين، وليمنح ما لديه من وظائف لمن يحتاجها، وينفق ما رزقه الله سبحانه وتعالى فيما يفيده، ويفيد البلاد والعباد، على ألا ينسى أبداً أن من ماله حق معلوم، للسائل والمحروم..
وعلى الرغم مما تبدو عليه هذه القيم السابقة، من وضوح وبساطة، فليسأل كل من يشتغل بالتجارة منا نفسه، كما يطبق منها عملياً؟!.. لو أننا صادقين منصفين، لاعترفنا بأننا لا ننفد أو نطبق حتى خمسين فى المائة منها..
هذا لأن النفس أمارة بالسوء، ولأننا نفتقر إلى منظومة واضحة، يلقنوننا إياها فى طفولتنا، ويؤكدون طوال الوقت أن تنفيذها وتطبيقها لا يحسنان آخرتنا وحدها، ولكن دنيانا أيضاً..
فلو أننا نثق فى أن كل تاجر لا يغش ولا يسرق، وأن أرباحه حلال، لا مغالاة فيها، لكثر إقبالنا على سلعه، ويشجعه هذا على مزيد من الاستثمار، وربما على الإنتاج أيضاً..
ولو أن لدنيا قيم اجتماعية، تحترم العمل، بكافة صوره، وتقدِّم مجهود الفرد، مهما كان شأنه، لاختلفت الصورة فى مجتمعاتنا، ولتحولنا إلى خلية نحل نشطة، ولتحسنت علاقات كل منا بالآخر، ولتوافرت فرص عمل أكثر، مما ينعكس حتماً على الإنتاج، وبالتالى على الاستهلاك..
وهكذا يصبح لدينا اقتصاد قوى..
احترام قيمة العمل وحدها، كافية لصنع ذلك المجتمع الاقتصادى المتقدِّم، الذى يحصل فيه كل إنسان على مقابل عمله، ويجيد تنظيم إنفاقه، فيسير الكل فى منظومة واضحة مرتبة..
وعندما ينتعش الاقتصاد، تنتعش معه كل أوجه الحياة الأخرى.. فالاقتصاديون سيولون اهتماماً كبيراً للعلم، وسيمولون الأبحاث، ويمنحون المنح الدراسية، وينشئون المدارس والمعاهد والكليات والجامعات؛ لأن أبحاثها تساعد مصانعهم، ومشروعاتهم، وتخفض تكاليف إنتاجهم، وتضاعف أرباحهم..
ومع الاهتمام بالعلم، ستتطوَّر حتماً القيم الثقافية، ويبدأ المجتمع فى احترام العلماء والمثقفين، بأكثر مما يحترم المطربين والممثلين، وسيقدم الجميع على المعرفة، باعتبارها سبيل إلى التقدم والرقى، وستظهر نظريات تربية جديدة، فى علم الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة..
وربما يصبح العرب مرة أخرى منارة العلم والمعرفة، إذا ما أدركوا أنهم كانوا يوماً كذلك..
وانتشار الثقافة أمر هام وحتمى وحيوى للغاية، فى أى مجتمع يطمح إلى الحضارة والرقى والتقدُّم، فيها تقل العصبيات، والعنصريات، والتعنتات، والتشبث بالآراء، بغض النظر عن منطقها..
فالثقافة تساعدنا على الانفتاح على الآخر، ومعرفته، وفهم، واستيعاب طريقة تفكيره..
وليس المقصود هنا هو الاقتناع به، أو الاتفاق معه، بل قد تكون معرفته سبباً للاختلاف معه، ومعارضته، وتأكيد مسارنا المخالف له أكثر وأكثر..
ولكننا على الأقل لن نحاربه، لمجرد أنه يختلف عنا فى نظرته للأمور.. فالاختلاف أمر لا صلة له قط بالخلاف..
وأكبر مثال على هذا هو الرجل والمرأة..
إنهما كائنان مختلفان، ولكنهما ليسا على خلاف..
كل منهما له شخصيته، وأسلوبه، وأفكاره، ولكن كل منهما يفهم ويستوعب وجود الآخر، ويدرك أنه ضرورة لاستمرار الحياة..
هذا هو الحال بالضبط، بالنسبة للآخر، أياً كان..
وهذا ما تمنحنا إياه القيم الثقافية، وما تدفعنا نحوه، عندما تعمل على توسيع أفقنا، وتحديد فكرنا، ودفعنا للتفكير فيما هو خارج حدودنا المألوفة..
فكل منا يميل دوماً إلى ما ألفه من حدود، باعتبار أن الناس أعداء لا يجهلون..
وما لم يعتادوه أيضاً..
ومنظومة القيم، كما يبدو واضحاً، أشبه بسبحة متكاملة، فما أن تبدأ فى قيمة من قيمها، إلا وتكشف أنها تقودك، دون أن تدرك، إلى مجموعة القيم الأخرى..
فكما قلنا، القيم الاقتصادية تجذبك إلى القيم الاجتماعية، وتلك تقودك إلى القيم العلمية، فالثقافية، وهكذا..
ومن الطبيعى لكل مجتمع علمى مثقف، أن يتجه بتلقائية إلى الرياضة، كوسيلة لبناء الجسم والعقل..
وحتى فى الرياضة، لابد أن تتشبث بمجموعة واضحة من القيم الحضارية المتقدمة..
فلا ينبغى مثلاً أن نتعصب لفريق دون آخر، أو نثور ونضغب عند الهزيمة، ونتبادل السباب والشتام، لمجرد أننا نختلف فى الملعب..
وهذه أيضاً قيم رياضية ثقافية..
فالثقافة ستجعلنا ندرك أن أية رياضة فى الدنيا هى لعبة تنافسية، لابد وأن يربح فيها أحد فريقين، بناءً على عوامل شتى، لا يمكن أن تتآزر لصالح جانب دون الآخر دوماً..
هناك حتماً غالب ومغلوب.. منتصر ومهزوم.. فائز وخاسر..
الثقافة تجعلنا ندرك أن النتيجة ليست هى الفيصل..
المهم أسلوب الأداء، والجهد، والتيقن من أن كل فريق قد بذل كل ما بوسعه..
فالبشر فقط يسعون، وليس بيدهم إدراك النجاح..
قيمة أخرى، لابد وأن نحرص عليها، ونسعى لاكتسابها، لو أردنا بالفعل أن نخوض رحلتنا نحو الحضارة..
الطريق إلى الحضارة إذن مفروش بالقيم..
كل القيم..
وكلها بأهمية واحدة، وقوة واحدة، وترتيب واحد، لا فرق بين قيمة أو أخرى، سوى قدرتك على التمسك بها، والمجال الذى يسمح لك باستخدامها واستغلالها..
ولكن الواقع أن هناك قيمة بعينها، لابد وأن يبدأ بها كل شئ..
قيمة لم نذكرها فى كل القيم السابقة، ولكنها المفتاح الرئيسى لها جميعاً..
قيمة النظام والتنظيم..
ولهذا حديث آخر.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: